تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 742

مساهمون:

ص٧٤٢
شاهد السالك بصفائه شواهد التحقيق ، وهي علاماته : و « التحقيق » هو حكم الحقيقة ، وتأثر القلب والروح بها ، و « الحقيقة » ما تعلق بالحق المبين سبحانه . فاللّه هو الحق . و « الحقيقة » ما نسب إليه وتعلق به . و « التحقيق » تأثر القلب بآثار الحقيقة . ولكل حق حقيقة ، ولكل حقيقة تحقيق يقوم بمشاهدة الحقيقة . قوله « ويذاق به حلاوة المناجاة » المناجاة : مفاعلة من النجوى . وهو الخطاب في سر العبد وباطنه . والشيخ ذكر في هذه الدرجة ثلاثة أمور : أحدها : مشاهدة شواهد التحقيق . الثاني : ذوق حلاوة المناجاة . فإنه متى صفا له حاله من الشوائب ، خلصت له حلاوته من مرارة الأكدار . فذاق تلك الحلاوة في حال مناجاته . فلو كان الحال مشوبا مكدّرا لم يجد حلاوة المناجاة . والحال المستندة إلى وارد تذاق به حلاوة المناجاة : هو من حضرة الأسماء والصفات ، بحسب ما يصادف القلب من ظهورها وكشف معانيها . فمن ظهر له اسم « الودود » - مثلا - وكشف له عن معاني هذا الاسم ، ولطفه ، وتعلقه بظاهر العبد وباطنه : كان الحال الحاصل له من حضرة هذا الاسم مناسبا له . فكان حال اشتغال حب وشوق ، ولذة مناجاة ، لا أحلى منها ولا أطيب ، بحسب استغراقه في شهود معنى هذا الاسم . وحظه من أثره . فإن « الودود » - وإن كان بمعنى المودود ، كما قال البخاري في « صحيحه » « الودود » الحبيب - واستغراق العبد في مطالعة صفات الكمال . التي تدعو العبد إلى حب الموصوف بها : أثمر له صفاء علمه بها ، وصفاء حاله في تعبده بمقتضاها : ما ذكره الشيخ من هذه الأمور الثلاثة وغيرها . وكذلك إن كان اسم فاعل بمعنى « الواد » وهو المحب : أثمرت له مطالعة ذلك حالا تناسبه . فإنه إذا شاهد بقلبه غنيا كريما جوادا ، عزيزا قادرا ، كل أحد محتاج إليه بالذات . وهو غني بالذات عن كل ما سواه . وهو - مع ذلك - يودّ عباده ويحبهم ، ويتودد إليهم بإحسانه إليهم وتفضله عليهم - : كان له من هذا الشهود حالة صافية خالصة من الشوائب . وكذلك سائر الأسماء والصفات . فصفاء الحال بحسب صفاء المعرفة بها . وخلوصها من دم التعطيل ، وفرث التمثيل . فتخرج المعرفة من بين ذلك فطرة خالصة سائغة للعارفين . كما يخرج اللبن من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين . والأمر الثالث : قوله « وينسى به الكون » أي ينسى الكون بما يغلب على قلبه من اشتغاله بهذه الحال المذكورة . والمراد بالكون : المخلوقات . أي يشتغل بالحق عن الخلق . قال « الدرجة الثالثة : صفاء اتصال . يدرج حظّ العبودية في حق الربوبية . ويغرق نهايات الخبر في بدايات العيان ، ويطوي خسّة التكاليف في عين الأزل » .
هامش
- عن المخلوقات ، كما أخبر اللّه عن ذاته العليةلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُبل هي معنى موزع في الكون كالزبد في الحليب ، أو كالموج في البحر . فكان الأولى أن يعبر بحضرة الرب سبحانه .