تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 741

مساهمون:

ص٧٤١
وعمل كل أحد منهم على قدر شاهده . فمن شاهد المقصود بالعمل في علمه كان نصحه فيه ، وإخلاصه وتحسينه ، وبذل الجهد فيه : أتم ممن لم يشاهده ولم يلاحظه . ولم يجد من مس التعب والنصب ما يجده الغائب ، والوجود شاهد بذلك . فمن عمل عملا لملك بحضرته ، وهو يشاهده : ليس حاله كحال من عمل في غيبته وبعده عنه ، وهو غير متيقن وصوله إليه . وقوله « ويصحح همة القاصد » أي ويصحح له صفاء هذا العلم همته ، ومتى صحت الهمة علت وارتفعت . فإن سقوطها ودناءتها من علتها وسقمها ، وإلا فهي كالنار تطلب الصعود والارتفاع ما لم تمنع . وأعلى الهمم : همة اتصلت بالحق سبحانه طلبا وقصدا . وأوصلت الخلق إليه دعوة ونصحا . وهذه همة الرسل وأتباعهم . وصحتها : بتمييزها ، من انقسام طلبها ، وانقسام مطلوبها ، وانقسام طريقها . بل توحّد مطلوبها بالإخلاص ، وطلبها بالصدق ، وطريقها بالسلوك خلف الدليل الذي نصبه اللّه دليلا . لا من نصبه هو دليلا لنفسه . وللّه الهمم ! ما أعجب شأنها ، وأشد تفاوتها . فهمة متعلقة بمن فوق العرش . وهمة حائمة حول الأنتان والحشّ . والعامة تقول : قيمة كل امرئ ما يحسنه . والخاصة تقول : قيمة المرء ما يطلبه . وخاصة الخاصة تقول : همة المرء إلى مطلوبه . وإذا أردت أن تعرف مراتب الهمم ، فانظر إلى همة ربيعة بن كعب الأسلمي رضي اللّه عنه - وقد قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « سلني » - فقال « أسألك مرافقتك في الجنة » وكان غيره يسأله ما يملأ بطنه ، أو يواري جلده . وانظر إلى همة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - حين عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض - فأباها . ومعلوم أنه لو أخذها لأنفقها في طاعة ربه تعالى . فأبت له تلك الهمة العالية : أن يتعلق منها بشيء مما سوى اللّه ومحابه . وعرض عليه أن يتصرف بالملك ، فأباه . واختار التصرف بالعبودية المحضة . فلا إله إلا اللّه ، خالق هذه الهمة ، وخالق نفس تحملها ، وخالق همم لا تعدو همم أخس الحيوانات . قال « الدرجة الثانية : صفاء حال ، يشاهد به شواهد التحقيق . ويذاق به حلاوة المناجاة . وينسى به الكون » . هذه الدرجة إنما كانت أعلى مما قبلها لأنها همة حال . والحال ثمرة العلم ، ولا يصفو حال إلا بصفاء العلم المثمر له . وعلى حسب شوب العلم يكون شوب الحال . وإذا صفا الحال : شاهد العبد - بصفائه - آثار الحقائق . وهي الشواهد فيه ، وفي غيره ، وعليه ، وعلى غيره . ووجد حلاوة المناجاة . وإذا تمكن في هذه الدرجة : نسي الكون وما فيه من المكونات . وهذه الدرجة تختص بصفاء « الحال » كما اختصت الأولى بصفاء « العلم » . و « الحال » هو تكيف القلب وانصباغه بحكم الواردات على اختلافها ، والحال يدعو صاحبه إلى المقام الذي جاء منه الوارد ، كما تدعوه رائحة البستان الطيبة إلى دخوله والمقام فيه . فإذا كان الوارد من حضرة صحيحة - وهي حضرة الحقيقة الإلهية « 1 » ، لا الحقيقة الخيالية الذهنية -
هامش
( 1 ) التعبير بالحقيقة الإلهية تعبير الصوفية أهل وحدة الوجود . إذ ليس للآلهة عندهم ذات لها صفات بائنة -