لرعيته ، ويسهل لهم الدخول عليه ، ويرفع الحجاب بينه وبينهم . فإذا وقعت أبصارهم عليه :
تلاشى عندهم كل ما هم فيه من النعيم واضمحل ، حتى لا يلتفتون إلى شيء منه . فإذا أقبل على واحد منهم : أقبل عليه سائر أهل المملكة بالتعظيم والإجلال . ونحن رسله إلى أهل البلاد ، ندعوهم إلى حضرته . وهذه كتبه إلى الناس . ومعنا من الشهود ما يزيل سوء الظن بنا . ويدفع اتهامنا بالكذب عليه .
فلما سمع الناس ذلك ، وشاهدوا أحوال الرسل : انقسموا أقساما :
فطائفة قالت : لا نفارق أوطاننا ، ولا نخرج من ديارنا ، ولا نتجشم مشقة السفر البعيد ، ونترك ما ألفناه من عيشنا ومنازلنا ، ومفارقة آبائنا وأبنائنا ، وإخواننا لأمر وعدنا به في غير هذه البلاد ، ونحن لا نقدر على تحصيل ما نحن فيه إلا بعد الجهد والمشقة . فكيف ننتقل عنه ؟ .
ورأت هذه الفرقة مفارقتها لأوطانها وبلادها : كمفارقة أنفسها لأبدانها . فإن النفس - لشدة إلفها للبدن - أكره ما إليها مفارقته . ولو فارقته إلى النعيم المقيم .
فهذه الطائفة غلب عليها داعي الحس والطبع على داعي العقل والرشد .
والطائفة الثانية : لما رأت حال الرسل ، وما هم فيه من البهجة وحسن الحال ، وعلموا صدقهم : تأهبوا للسير إلى بلاد الملك . فأخذوا في المسير . فعارضهم أهلوهم ، وأصحابهم ، وعشائرهم من القاعدين . وعارضهم إلفهم مساكنهم ، ودورهم وبساتينهم . فجعلوا يقدّمون رجلا ويؤخرون أخرى . فإذا تذكروا طيب بلاد الملك وما فيها من سلوة العيش : تقدموا نحوها . وإذا عارضهم ما ألفوه واعتادوه من ظلال بلادهم وعيشها ، وصحبة أهلهم وأصحابهم : تأخروا عن المسير ، والتفتوا إليهم . فهم دائما بين الداعيين والجاذبين ، إلى أن يغلب أحدهما ويقوى على الآخر . فيصيرون إليه .
والطائفة الثالثة : ركبت ظهور عزائمها ، ورأت أن بلاد الملك أولى بها . فوطنت أنفسها على قصدها . ولم يثنها لوم اللوام . لكن في سيرها بطء بحسب ضعف ما كشف لها من أحوال تلك البلاد وحال الملك .
والطائفة الرابعة : جدّت في السير وواصلته . فسارت سيرا حثيثا . فهم كما قيل :
وركب سروا والليل مرخ سدوله * على كل مغبرّ المطالع قاتم
حدوا عزمات ضاعت الأرض بينها * فصارت سراهم في ظهور العزائم
تريهم نجوم الليل ما يطلبونه * على عاتق الشّعرى وهام النعائم
فهؤلاء هممهم مصروفة إلى السير . وقواهم موقوفة عليه من غير تثنية « 1 » منهم إلى المقصود الأعظم ، والغاية العليا .
والطائفة الخامسة : أخذوا في الجد في المسير . وهمتهم متعلقة بالغاية ، فهم في سيرهم ناظرون إلى المقصود بالمسير . فكأنهم يشاهدونه من بعد ، وهو يدعوهم إلى نفسه وإلى بلاده .
فهم عاملون على هذا الشاهد الذي قام بقلوبهم .
هامش
( 1 ) أي من غير انثناء ولا التفات .