وبالجملة : فتجعل الرسول شيخك وأستاذك ، ومعلمك ومربيك ومؤدبك . وتسقط الوسائط بينك وبينه إلا في التبليغ . كما تسقط الوسائل بينك وبين المرسل في العبودية . ولا تثبت وساطة إلا في وصول أمره ونهيه ورسالته إليك .
وهذان التجريدان : هما حقيقة شهادة أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا عبده ورسوله . واللّه وحده هو المعبود المألوه ، الذي لا يستحق العبادة سواه ، ورسوله : المطاع المتبع ، المهتدى به ، الذي لا يستحق الطاعة سواه . ومن سواه : فإنما يطاع إذا أمر الرسول بطاعته . فيطاع تبعا للأصل .
وبالجملة : فالطريق مسدودة إلا على من اقتفى آثار الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، واقتدى به في ظاهره وباطنه .
فلا يتعنى السالك على غير هذا الطريق . فليس حظه من سلوكه إلا التعب ، وأعماله
كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ
[ النّور : 39 ] .
ولا يتعنى السالك على هذا الطريق . فإنه واصل ولو زحف زحفا . فأتباع الرسول صلى اللّه عليه وسلم : إذا قعدت بهم أعمالهم ، قامت بهم عزائمهم وهمهم ومبايعتهم لنبيهم . كما قيل :
من لي بمثل سيرك المدلل * تمشي رويدا وتجي في الأول
والمنحرفون عن طريقه ، إذا قامت بهم أعمالهم واجتهاداتهم « 1 » : قعد بهم عدولهم عن طريقه :
فهم في السّرى لم يبرحوا من مكانهم * وما ظعنوا في السير عنه ، وقد كلّوا
قوله « ويبصر غاية الجد » الجد : الاجتهاد ، والتشمير ، و « الغاية » النهاية .
يريد : أن صفاء العلم يهدي صاحبه إلى الغاية المقصودة بالاجتهاد والتشمير . فإن كثيرا من السالكين - بل أكثرهم - سالك بجده واجتهاده ، غير منتبه إلى المقصود .
وأضرب لك في هذا مثلا حسنا جدا ، وهو : أن قوما قدموا من بلاد بعيدة عليهم أثر النعيم والبهجة ، والملابس السنية ، والهيئة العجيبة . فعجب الناس لهم . فسألوهم عن حالهم ؟ فقالوا :
بلادنا من أحسن البلاد . وأجمعها لسائر أنواع النعيم . وأرخاها ، وأكثرها مياها ، وأصحها هواء ، وأكثرها فاكهة ، وأعظمها اعتدالا ، وأهلها كذلك أحسن الناس صورا وأبشارا . ومع هذا ، فملكها لا يناله الوصف جمالا وكمالا ، وإحسانا ، وعلما وحلما ، وجودا ، ورحمة للرعية ، وقربا منهم . له الهيبة والسطوة على سائر ملوك الأطراف . فلا يطمع أحد منهم في مقاومته ومحاربته فأهل بلده في أمان من عدوهم . لا يحل الخوف بساحتهم . ومع هذا : فله أوقات يبرز فيها
هامش
( 1 ) الأعمال والاجتهادات على غير هدى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنما هي أعمال جاهلية ، مهما سماها عاملوها بأسماء إسلامية . كما كان أهل الجاهلية يسمون أعمالهم الجاهلية : إبراهيمية ، وحنيفية . فلن تقوم الأعمال الجاهلية بعاملها إلا نكوصا على الأعقاب ، وانكبابا على الوجوه بعمى وبكم وصمم ، وعداوة اللّه ورسوله ، وموالاة للشيطان قال اللّهوَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً( 23 ) [ الفرقان : 23 ] .