تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 738

مساهمون:

ص٧٣٨
ذكر الشيخ له في هذه الدرجة ثلاث فوائد : الفائدة الأولى : « علم يهذب لسلوك الطريق » وهذا العلم الصافي - الذي أشار إليه - هو العلم الذي جاء به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وكان الجنيد يقول دائما : علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة . فمن لم يحفظ القرآن ، ويكتب الحديث ، ولم يتفقه : لا يقتدى به . وقال غيره من العارفين : كل حقيقة لا تتبعها شريعة فهي كفر . وقال الجنيد : علمنا هذا متشبك بحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقال أبو سليمان الداراني : إنه لتمر بقلبي النكتة من نكت القوم . فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل ، من الكتاب والسنة . وقال النصر ابادي : أصل هذا المذهب : ملازمة الكتاب والسنة . وترك الأهواء والبدع ، والاقتداء بالسلف ، وترك ما أحدثه الآخرون . والإقامة على ما سلكه الأولون « 1 » . وقد تقدم ذكر بعض ذلك . فهذا العلم الصافي ، المتلقّى من مشكاة الوحي والنبوة : يهذب صاحبه لسلوك طريق العبودية . وحقيقتها : التأدب بآداب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم باطنا وظاهرا . وتحكيمه باطنا وظاهرا . والوقوف معه حيث وقف بك . والمسير معه حيث سار بك . بحيث تجعله بمنزلة شيخك « 2 » الذي قد ألقيت إليه أمرك كله سره وظاهره ، واقتديت به في جميع أحوالك . ووقفت مع ما يأمرك به . فلا تخالفه البتة . فتجعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لك شيخا ، وإماما وقدوة وحاكما ، وتعلق قلبك بقلبه الكريم ، وروحانيتك بروحانيته ، كما يعلق المريد روحانيته بروحانية شيخه « 3 » . فتجيبه إذا دعاك . وتقف معه إذا استوقفك . وتسير إذا سار بك . وتقيل إذا قال ، وتنزل إذا نزل . وتغضب لغضبه . وترضى لرضاه . وإذا أخبرك عن شيء أنزلته منزلة ما تراه بعينك . وإذا أخبرك عن اللّه بخبر أنزلته منزلة ما تسمعه من اللّه بأذنك .
هامش
( 1 ) مما ابتلى اللّه به عباده : أن كلا يدعي هذه الدعوى في كل زمان : فها هم المقلدون الذين يتركون صريح الآية ، وصحيح الحديث ، لقول متبوعهم ، يحلفون جهد أيمانهم : أنهم أهل السنة والجماعة ، وأنهم أحرص الناس على الكتاب والسنة وأنت أيها السلفي الموحد الصادق خبير بمقاصدهم ومرادهم . وهكذا الطرائقيون من عباد القبور والموتى ، بل الجهمية - الذين يعدهم الشيخ ابن القيم أشد خصماء الحق وأبعد الخلق عن الكتاب والسنة - يحلفون اليوم ، وقبل اليوم : أنهم أشد الناس اتباعا للكتاب والسنة وتمسكا بنصوصهما ، وأنهم أهل السنة ، وأن ابن القيم وشيخه ، ومن كان على طريقتهما السلفية : هم أضل الناس ، وأشدهم عداوة للكتاب والسنة . ( 2 ) إذا جعلته بمنزلة شيخك : لم تكن مؤمنا به الإيمان الذي ترجو به النجاة من غضب اللّه وعذابه . حتى تجعل كل قائل وكل والد ، وكل شيخ - مهما بلغت درجته - وراء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . بل وراء أصحاب رسول اللّه رضي اللّه عنهم . ( 3 ) هذه الروحانية والتعلق بها من أين جاءت ؟ إنها مما أحدث الصوفية من خيوط العنكبوت التي يوقعون بها أتباعهم في شباك تأليهم ، ليعتقدوا أن لشيوخهم روحانيات تؤثر في هداية القلوب وتقليبها . واللّه قد قال لرسوله صلى اللّه عليه وسلمإِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ[ القصص : 56 ] .