وهؤلاء أعظم كفرا وإلحادا . حيث عطلوا العبودية . وظنوا أنهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة ، التي هي من أماني النفس ، وخدع الشيطان . وكأن قائلهم إنما عنى نفسه ، وذوي مذهبه بقوله :
رضوا بالأماني . وابتلوا بحظوظهم * وخاضوا بحار الحب دعوى . فما ابتلّوا
فهم في السّرى لم يبرحوا من مكانهم * وما ظعنوا في السير عنه . وقد كلّوا
وقد صرح أهل الاستقامة ، وأئمة الطريق : بكفر هؤلاء . فأخرجوهم من الإسلام . وقالوا :
لو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقام يناله العبد لما سقط عنه من التكليف مثقال ذرة . أي ما دام قادرا عليه .
وهؤلاء يظنون : أنهم يستغنون بهذه الحقيقة عن ظاهر الشريعة .
وأجمعت هذه الطائفة « 1 » على أن هذا كفر وإلحاد . وصرحوا بأن كل حقيقة لا تتبعها شريعة فهي كفر .
قال سري السّقطي : من ادعى باطن حقيقة ينقضها ظاهر حكم : فهو غالط . وقال سيد الطائفة الجنيد بن محمد : علمنا هذا متشبك بحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقال إبراهيم بن محمد النصر ابادي : أصل هذا المذهب ؛ ملازمة الكتاب والسنة ، وترك الأهواء والبدع . والتمسك بالأئمة ، والاقتداء بالسلف ، وترك ما أحدثه الآخرون ، والمقام على ما سلك الأولون . وسئل إسماعيل بن نجيد : ما الذي لا بد للعبد منه ؟ فقال : ملازمة العبودية على السنة ، ودوام المراقبة .
وسئل : ما التصوف ؟ فقال : الصبر تحت الأمر والنهي . وقال أحمد بن أبي الحواري : من عمل بلا اتباع سنة فباطل عمله . وقال الشبلي يوما - ومد يده إلى ثوبه - لولا أنه عارية لمزقته . فقيل له : رؤيتك في تلك الغلبة ثيابك ، وأنها عارية ؟ فقال : نعم أرباب الحقائق محفوظ عليهم في كل الأوقات الشريعة . وقال أبو يزيد البسطامي : لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به ، حتى تنظروا : كيف تجدونه عند الأمر والنهي ، وحفظ الحدود والشريعة « 2 » . وقال عبد اللّه الخياط : الناس قبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كانوا مع ما يقع في قلوبهم . فجاء النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فردهم من القلب إلى الدين والشريعة . ولما حضرت أبا عثمان الحيري الوفاة : مزق ابنه أبو بكر قميصه . ففتح أبو عثمان عينيه ، وقال : يا بنيّ خلاف السنة في الظاهر من رياء باطن في القلب . ومن كلام ابن عثمان هذا : أسلم الطرق من الاغترار طريق السلف ، ولزوم الشريعة .
وقال عبد اللّه بن مبارك : لا يظهر على أحد شيء من نور الإيمان إلا باتباع السنة ، ومجانبة البدعة . وكل موضع ترى فيه اجتهادا ظاهرا بلا نور . فاعلم أن ثمّ بدعة خفية . وقال سهل بن عبد اللّه : الزم السواد على البياض - حدثنا وأخبرنا - إن أردت أن تفلح .
هامش
( 1 ) حبذا لو صح هذا الإجماع . بل لو صح عن عشرهم ، وهم قد جعلوا « الحقيقة » و « الشريعة » شيئا آخر ! !
( 2 ) فكيف كان هو وشيوخ الطائفة عند الحدود الشرعية ، حين يهتف « سبحاني ؟ » وهكذا من تأمل كلامهم وأحوالهم ، كمن تأمل كلام الرافضة وأحوالهم وكلام كل المبتدعين من عباد القبور وغيرهم - عرف حقيقة ما يقصدون إليه بدعواهم اتباع الكتاب والسنة . فإن مسكوا ونوقشوا . صاحوا هاربين : نحن في حال جذب واصطلام وشطح . واللّه عليم بذات الصدور .