تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 722

مساهمون:

ص٧٢٢
البتة وهذا عين المحال . بل يشتد سيره إلى اللّه كلما زادت ملاحظته لتوحيده ، وأسمائه وصفاته . ولهذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعظم الخلق اجتهادا ، وقياما بالأعمال ، ومحافظة عليها إلى أن توفاه اللّه . وهو أعظم ما كان اجتهادا وقياما بوظائف العبودية . فلو أتى العبد بأعمال الثقلين جميعها لم تفارقه حقيقة السير إلى اللّه . وكان بعد في طريق الطلب والإرادة . وتقسيم السائرين إلى اللّه : إلى طالب ، وسائر ، وواصل . أو إلى مريد ، ومراد : تقسيم فيه مساهلة . لا تقسيم حقيقي « 1 » ، فإن الطلب والسلوك والإرادة لو فارق العبد : لانقطع عن اللّه بالكلية . ولكن هذا التقسيم باعتبار تنقل العبد في أحوال سيره وإلا فإرادة العبد المراد ، وطلبه وسيره : أشد من إرادة غيره ، وطلبه وسيره . وأيضا فإنه مراد أولا ، حيث أقيم في مقام الطلب ، وجذب إلى السير . فكل مريد مراد . وكل واصل وسالك وطالب لا يفارقه طلبه ولا سيره ، وإن تنوعت طرق السير ، بحسب اختلاف حال العبد . فمن السالكين : من يكون سيره ببدنه وجوارحه أغلب عليه من سيره بقلبه وروحه . ومنهم : من سيره بقلبه أغلب عليه ، أعني قوة سيره وحدته . ومنهم - وهم الكمل الأقوياء - من يعطي كل مرتبة حقها . فيسير إلى اللّه ببدنه وجوارحه ، وقلبه وروحه . وقد أخبر اللّه سبحانه عن صفوة أوليائه بأنهم دائما في مقام الإرادة له . فقال تعالى :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
[ الأنعام : 52 ] وقال تعالى :
وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ( 19 ) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ( 20 ) وَلَسَوْفَ يَرْضى
[ الليل : 19 ، 21 ] فالعبد أخص أوصافه ، وأعلى مقاماته : أن يكون مريدا صادق الإرادة ، عبدا في إرادته . بحيث يكون مراده تبعا لمراد ربه الديني منه . ليس له إرادة في سواه . وقد يحمل كلام الشيخ على معنى آخر ، وهو : أن يكون معنى قوله « إن ملاحظة عين الجمع توقظ الاستهانة بالمجاهدات » أنه يوقظه من نوم الاستهانة بالمجاهدات ، وتكون اللام للتعليل . أي يوقظه من سنة التقصير . لاستهانته بالمجاهدات . وهذا معنى صحيح في نفسه « 2 » فإن العبد كلما كان إلى اللّه أقرب كان جهاده في اللّه أعظم . قال اللّه تعالى :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ
[ الحجّ : 78 ] . وتأمل أحوال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه فإنهم كانوا كلما ترقوا من القرب في مقام : عظم جهادهم واجتهادهم . لا كما ظنه بعض الملاحدة المنتسبين إلى الطريق ، حيث قال : القرب الحقيقي تنقل العبد من الأحوال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة . ويريح الجسد والجوارح من كد العمل .
هامش
( 1 ) بل تقسيم على غير ما قسم اللّه في كتابه وعلى لسان رسوله أهدى السالكين وأكرم الواصلين إلى مرضاة ربه في الدنيا والآخرة صلى اللّه عليه وسلم . ( 2 ) ولكن أين هو من كلام الشيخ ؟ .