أحمد بن جعفر بن هانىء يقول : سألت الجنيد ، ما علامة الإيمان ؟ فقال : علامته طاعة من آمنت به ، والعمل بما يحبه ويرضاه ، وترك التشاغل عنه مما ينقضي ويزول .
فرحمة اللّه على أبي القاسم الجنيد ورضي اللّه عنه . ما أتبعه لسنة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ! وما أقفاه لطريقة أصحابه ! .
وهذا باب يطول تتبعه جدا . يدلك على أن أهل الاستقامة في نهاياتهم : أشد اجتهادا منهم في بداياتهم ، بل كان اجتهادهم في البداية في عمل مخصوص . فصار اجتهادهم في النهاية الطاعة المطلقة . وصارت إرادتهم دائرة معها . فتضعف الاجتهاد في المعنى المعين . لأنه كان مقسوما بينه وبين غيره .
ولا تصغ إلى قول ملحد قاطع للطريق في قالب عارف ، يقول : إن منزلة القرب تنقل العبد من الأعمال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة . وتحمل على الاستهانة بالطاعات الظاهرة ، وتريحه من كدّ القيام بها .
عين الجمع ومعارضة أقدار اللّه
قوله « وتخلص من رعونة المعارضات » .
يريد : أن هذه الملاحظة تخلص العبد من رعونة معارضة حكم اللّه الديني والكوني ، الذي لم يأمر بمعارضته . فيستسلم للحكمين . فإن ملاحظة عين الجمع تشهده : أن الحكمين صدرا عن عزيز حكيم . فلا يعارض حكمه برأي ، ولا عقل ولا ذوق ، ولا خاطر .
وأيضا فتخلص قلبه من معارضات السوى للأمر . فإن الأمر يعارض بالشهوة . والخبر يعارض بالشك والشبهة . فملاحظة عين الجمع : تخلص قلبه من هاتين المعارضتين . وهذا هو القلب السليم الذي لا يفلح إلا من لقي اللّه به . هذا تفسير أهل الحق والاستقامة .
وأما أهل الإلحاد ، فقالوا : المراد بالمعارضات هاهنا : الإنكار على الخلق فيما يبدو منهم من أحكام البشرية . لأن المشاهد لعين الجمع يعلم : أن مراد اللّه من الخلق ما هم عليه .
فإذا علم ذلك بحقيقة الشهود : كانت المعارضات والإنكار عليهم من رعونات الأنفس المحجوبة .
وقال قدوتهم في ذلك : العارف لا ينكر منكرا ، لاستبصاره بسر اللّه في القدر .
وهذا عين الاتحاد والإلحاد . والانسلاخ من الدين بالكلية . وقد أعاذ اللّه شيخ الإسلام من ذلك . وإذا كان الملحد يحمل كلام اللّه ورسوله ما لا يحتمله . فما الظن بكلام مخلوق مثله ؟ .
فيقال : إنما بعث اللّه رسله ، وأنزل كتبه بالإنكار على الخلق بما هم عليه من أحكام البشرية وغيرها . فبهذا أرسلت الرسل ، وأنزلت الكتب ، وانقسمت الدار إلى دار سعادة للمنكرين ، ودار شقاوة للمنكر عليهم . فالطعن في ذلك : طعن في الرسل والكتب . والتخلص من ذلك : انحلال من ربقة الدين .
ومن تأمل أحوال الرسل مع أممهم : وجدهم كانوا قائمين بالإنكار عليهم أشد القيام . حتى لقوا اللّه تعالى ، وأوصوا من آمن بهم بالإنكار على من خالفهم وأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم : أن المتخلص