تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 720

مساهمون:

ص٧٢٠
والطائفة الثانية : لا تعبأ بالجمعية ، ولا تعمل عليها . ولعلها لا تدري ما مسماها ولا حقيقتها . وطريقة الأقوياء ، أهل الاستقامة : القيام بالجمعية في التفرقة ما أمكن . فيقوم أحدهم بالعبادات ، ونفع الخلق ، والإحسان إليهم ، مع جمعيته على اللّه . فإن ضعف عن اجتماع الأمرين ، وضاق عن ذلك قام بالفرائض . ونزل عن الجمعية . ولم يلتفت إليها ، إذا كان لا يقدر على تحصيلها إلا بتعطيل الفرض . فإن ربه سبحانه يريد منه أداء فرائضه . ونفسه تريد الجمعية ، لما فيها من الراحة واللذة ، والتخلص من ألم التفرقة وشعثها ، فالفرائض حق ربه « 1 » . والجمعية حظه هو . فالعبودية الصحيحة : توجب عليه تقديم أحد الأمرين على الآخر . فإذا جاء إلى النوافل ، وتعارض عنده الأمران : فمنهم من يرجح الجمعية . ومنهم من يرجح النوافل . ومنهم من يؤثر هذا في وقت وهذا في وقت . والتحقيق - إن شاء اللّه - أن تلك النوافل إن كانت مصلحتها أرجح من الجمعية ، ولا تعوضه الجمعية عنها : اشتغل بها ، ولو فاتت الجمعية ، كالدعوة إلى اللّه ، وتعليم العلم النافع ، وقيام وسط الليل ، والذكر أول الليل وآخره ، وقراءة القرآن بالتدبر . ونفل الجهاد ، والإحسان إلى المضطر ، وإغاثة الملهوف . ونحو ذلك . فهذا كله مصلحته أرجح من مصلحة الجمعية . وإن كانت مصلحته دون الجمعية - كصلاة الضحى ، وزيارة الإخوان ، والغسل لحضور الجنائز ، وعيادة المرضى ، وإجابة الدعوات ، وزيارة القدس ، وضيافة الإخوان ونحو ذلك - فهذا فيه تفصيل . فإن قويت جمعيته فظهر تأثيرها فيه : فهي أولى له ، وأنفع من ذلك . وإن ضعفت الجمعية ، وقوي إخلاصه في هذه الأعمال : فهي أنفع له ، وأفضل من الجمعية .
هامش
( 1 ) الواقع : أن الصلاة : صلة العبد بربه ، ليرفع إليه فيها حاجاته في دنياه وآخرته وهي قرة عين المؤمن . كما كانت قرة عين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهي العون على كل أمورهم . وكذلك الصيام : إنما هو حصن من أقوى أسباب الوقاية بما يربيه ربه ، حال كونه معه : بقوة العزيمة والإرادة الصادقة ، والبصيرة النيرة ، التي يكون بها المؤمن في وقاية من كل ما يخاف في أولاه وأخراه . وكل الطاعات المفروضة : إنما هي كذلك ، أسباب لسعادته ووقايته من كل ما يخاف في أولاه قبل أخراه . وكل شأن الإنسان في أهله ، أو مسجده ، أو مزرعته ، أو مصنعه ، أو ميدان حربه : فإنما هو لخيره في الأولى قبل الأخرى . وهو به يسلم شأنه ويستسلم به لربه خلقا وشرعا . فتكون كل حركاته وسكناته في مطعمه وملبسه ومشربه ، ومنامه ويقظته : عبادة بتذلل وحب صادقين . وخطوات يسعى بها حثيثا إلى لقاء اللّه والمصير إليه ، راضيا مرضيا في قبره وما بعده . فيسعى بها حثيثا ليكون من عباد الرحمن . وهذا كان شأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم والذين آمنوا به . واتبعوا النور الذي أنزل معه . ثم لما دخل الدخيل وأدخل أباطيله وبدعه الخرافية ، وزخرفها حسنها شياطين الإنس والجن : تغير الناس . فتغيرت الأعمال والموجبات . وصاروا يعتقدون أن الذكر : أن يجلس في خلوة ليعد مئات لا إله إلا اللّه . أو ليصلي ألف ركعة ، أو ليقرأ ألف ختمة في غفلة غافلة . وأشباه هذا مما يجعل العبادات أشكالا وصورا وتمثيلا . بخلاف ما كان عليه الصحابة رضي اللّه عنهم . كما قال ابن مسعود رضي اللّه عنه « ما كنا نجاوز الآية حفظا حتى نتقنها عملا » أو كما قال . هدانا اللّه بهدي أولئك الأخيار الذين اختارهم اللّه لصحبة نبيه صلى اللّه عليه وسلم .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 720 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى