تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 724

مساهمون:

ص٧٢٤
ولقد كان سادات الطائفة أشد ما كانوا اجتهادا في آخر أعمارهم . قال القشيري : سمعت أبا علي الدقاق يقول : رئي في يد الجنيد سبحة . فقيل له : أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة ؟ فقال : طريق وصلت به إلى ربي تبارك وتعالى لا أفارقه أبدا « 1 » . وقال إسماعيل بن نجيد : كان الجنيد يجيء كل يوم إلى السوق ، فيفتح باب حانوته . فيدخله ويسبل الستر ، ويصلي أربعمائة ركعة « 2 » ثم يرجع إلى بيته . ودخل عليه ابن عطاء - وهو في النزع - فسلم عليه . فلم يرد عليه . ثم رد عليه بعد ساعة . فقال : اعذرني . فإني كنت في وردي . ثم حول وجهه إلى القبلة . وكبر ، ومات . وقال أبو سعيد بن الأعرابي : سمعت أبا بكر العطار . يقول : حضرت أبا القاسم الجنيد - أنا وجماعة من أصحابنا - فكان قاعدا يصلي ، ويثني رجله إذا أراد أن يسجد . فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجليه . فثقلت عليه حركتها ، وكانتا قد تورمتا . فقال له بعض أصحابه : ما هذا يا أبا القاسم ؟ فقال : هذه نعم اللّه . اللّه أكبر . فلما فرغ من صلاته ، قال له أبو محمد الجريري : يا أبا القاسم ، لو اضطجعت . فقال : يا أبا محمد ، هذا وقت يؤخذ فيه ! اللّه أكبر . فلم يزل ذلك حاله حتى مات . ودخل عليه شاب - وهو في مرضه الذي مات فيه . وقد تورم وجهه . وبين يديه مخدة يصلي إليها - فقال : وفي هذه الساعة لا تترك الصلاة ؟ فلما سلّم . دعاه ، وقال : شيء وصلت به إلى اللّه ، فلا أدعه . ومات بعد ساعة . رحمة اللّه عليه . وقال أبو محمد الجريري : كنت واقفا على رأس الجنيد في وقت وفاته . وكان يوم جمعة ، ويوم نيروز . وهو يقرأ القرآن . فقلت له : يا أبا القاسم ، ارفق بنفسك ، فقال : يا أبا محمد ، أرأيت أحدا أحوج إليه مني ، في مثل هذا الوقت ، وهو ذا تطوى صحيفتي ؟ وقال أبو بكر العطوي : كنت عند الجنيد حين مات . فختم القرآن . ثم ابتدأ في ختمة أخرى . فقرأ من البقرة سبعين آية . ثم مات « 3 » . وقال محمد بن إبراهيم : رأيت الجنيد في النوم . فقلت : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : طاحت تلك الإشارات ، وغابت تلك العبارات ، وفنيت تلك العلوم ، ونفدت تلك الرسوم . وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها في الأسحار . وتذاكروا بين يديه أهل المعرفة ، وما استهانوا به من الأوراد ، والعبادات بعد ما وصلوا إليه ؟ فقال الجنيد : العبادة على العارفين أحسن من التيجان على رؤوس الملوك . وقال : الطرق كلها مسدودة على الخلق ، إلا من اقتفى أثر الرسول صلى اللّه عليه وسلم . واتبع سنته ، ولزم طريقته . فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه . وقال : من ظن أنه يصل ببذل المجهود فمتعن . ومن ظن أنه يصل بغير بذل المجهود فمتمن . وقال أبو نعيم : سمعت أبي يقول : سمعت
هامش
( 1 ) هل كان هذا طريق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ وهل عرفت السبحة إلا عند الهنود والصين الوثنيين ، ثم عند رهبان النصارى ، ثم عند الصوفية ؟ ! . ( 2 ) هل هذا معقول ؟ أو هي نقر ولعب ، أو دعوى للتمويه على الدهماء ؟ وهل كان هذا هدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ وأئمة الهدى من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ؟ . ( 3 ) اللّه أعلم بمبلغ الصحة في هذه الأخبار . وكم نسمع بآذاننا أمثالها لترويج عبادة شيوخ الصوفية وغيرهم من أتباع الهوى ودعاة البدع الوثنية ؟ .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 724 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى