تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 721

مساهمون:

ص٧٢١
والمعول عليه في ذلك كله إيثار أحب الأمرين إلى الرب تعالى . وذلك يعرف بنفع العمل وثمرته ، من زيادة الإيمان به ، وترتب الغايات الحميدة عليه ، وكثرة مواظبة الرسول صلى اللّه عليه وسلم عليه ، وشدة اعتنائه به ، وكثرة الوصية به ، وإخباره : أن اللّه يحب فاعله . ويباهي به الملائكة . ونحو ذلك . ونكتة المسألة وحرفها : أن الصادق في طلبه يؤثر مرضاة ربه على حظه . فإن كان رضى اللّه في القيام بذلك العمل ، وحظه في الجمعية : خلّى الجمعية تذهب . وقام بما فيه رضى اللّه . ومتى علم اللّه من قلبه : أن تردده وتوقفه - ليعلم : أيّ الأمرين أحب إلى اللّه وأرضى له - أنشأ له من ذلك التوقف والتردد حالة شريفة فاضلة ، حتى لو قدم المفضول - لظنه أنه الأحب إلى اللّه - : ردت تلك النية والإرادة عليه ما ذهب عليه وفاته من زيادة العمل الآخر . وباللّه التوفيق . وفي كلامه معنى آخر ، وهو : أن صاحب المجاهدات مسافر بعزمه وهمته إلى اللّه . فإذا لاحظ عين الجمع ، وهي الوحدانية - التي شهود عينها : هو انكشاف حقيقتها للقلب - كان بمنزلة مسافر جادّ في سيره ، وقد وصل إلى المنزل . وقرت عينه بالوصول . وسكنت نفسه ، كما قيل :
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى * كما قرّ عينا بالإياب المسافر
ولكن هذا الموضع : مورد الصدّيق الموحد . والزنديق الملحد . فالزنديق يقول : الاشتغال بالسير بعد الوصول عيب لا فائدة فيه . والوصول عنده : هو ملاحظة عين الجمع . فإذا استغرق في هذا الشهود ، وفني به عن كل ما سواه : ظن أن ذلك هو الغاية المطلوبة بالأوراد والعبادات . وقد حصلت له الغاية . فرأى قيامه بها أولى به ، وأنفع له من الاشتغال بالوسيلة . فالعبادات البدنية عنده : وسيلة لغاية ، وقد حصلت . فلا معنى للاشتغال بالوسيلة بعدها ، كما يقول كثير من الناس : إن العلم وسيلة إلى العمل . فإذا اشتغلت بالغاية لم تحتج إلى الوسيلة . وقد اشتد نكير السلف - من أهل الاستقامة من الشيوخ - على هذه الفرقة . وحذروا منهم . وجعلوا أهل الكبائر وأصحاب الشهوات خيرا منهم ، وأرجى عاقبة . وأما الصديق الموحد : فإذا وصل إلى هناك ، صارت أعماله القلبية والروحية أعظم من أعماله البدنية ، ولم يسقط من أعماله شيئا . ولكنه استراح من كد المجاهدات « 1 » بملاحظة عين الجمع . وصار بمنزلة مسافر طلب ملكا عظيما رحيما جوادا ، فجدّ في السفر إليه ، خشية أن يقتطع دونه . فلما وصل إليه ووقع بصره عليه : بقي له سير آخر في مرضاته ومحابه . فالأول : كان سيرا إليه . وهذا سير في محابه ومراضيه . فهذا أقرب ما يقال في كلام الشيخ وأمثاله في ذلك . وبعد ، فالعبد - وإن لاحظ عين الجمع ، ولم يغب عنها - فهو سائر إلى اللّه ولا ينقطع سيره إليه ما دام في قيد الحياة . ولا يصل العبد ما دام حيّا إلى اللّه وصولا يستغني به عن السير إليه
هامش
( 1 ) وهل في عبادة اللّه مشقة ونصب ، إلا على أعداء اللّه ؟ المرائين بها أما الصديقون : فقرة عينهم وحقيقة سعادتهم ، وجنتهم في الدنيا : توحيد ربهم وعبادته وحده ، باتباع رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، ومرافقته بحسن التأسي به . اللهم اجعلنا منهم .