من مقامات الإنكار الثلاثة ليس معه من الإيمان حبة خردل . وبالغ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد المبالغة ، حتى قال « إن الناس إذا تركوه : أوشك أن يعمهم اللّه بعقاب من عنده » .
وأخبر : أن تركه يمنع إجابة دعاء الأخيار . ويوجب تسلط الأشرار .
وأخبر أن تركه : يوقع المخالفة بين القلوب والوجوه . ويحل لعنة اللّه . كما لعن اللّه بني إسرائيل على تركه .
فكيف يكون الإنكار من رعونات النفوس ، وهو مقصود الشريعة ؟ .
وهل الجهاد إلا على أنواع الإنكار . وهو جهاد باليد ، وجهاد أهل العلم : إنكار باللسان .
وأما قوله « إن المشاهد : أن مراد اللّه من الخلائق : ما هم عليه » .
فيقال له : الرب تعالى له مرادان : كوني ، وديني . فهب أن مراده الكوني منهم ما هم عليه .
فمراده الديني الأمري الشرعي : هو الإنكار على أصحاب المراد الكوني . فإذا عطلت مراده الديني لم تكن واقفا مع مراده الديني ، الذي يحبه ويرضاه . ولا ينفعك وقوفك مع مراده الكوني الذي قدره وقضاه . إذ لو نفعك ذلك لم يكن للشرائع معنى البتة . ولا للحدود والزواجر ، ولا للعقوبات الدنيوية ، ولا للأخذ على أيدي الظلمة والفجار ، وكف عدوانهم وفجورهم . فإن العارف عندك : يشهد أن مراد اللّه منهم : هو ذلك . وفي هذا فساد الدنيا قبل الأديان .
فهذا المذهب الخبيث لا يصلح عليه دنيا ولا دين ، ولكنه رعونة نفس قد أخلدت إلى الإلحاد ، وكفرت بدين رب العباد . واتخذت تعطيل الشرائع دينا ومقاما ، ووساوس الشيطان مسامرة وإلهاما . وجعلت أقدار الرب تعالى مبطلة لما بعث به رسله . ومعطلة لما أنزل به كتبه .
وجعلوا هذا الإلحاد غاية المعارف الإلهية ، وأشرف المقامات العلية . ودعوا إلى ذلك النفوس المبطلة ، الجاهلة باللّه ودينه . فلبوا دعوتهم مسرعين ، واستخف الداعي منهم قومه فأطاعوه . إنهم كانوا قوما فاسقين « 1 » .
وأما قوله « إن الإنكار : من معارضات النفوس المحجوبة » .
فلعمر اللّه : إنهم لفي حجاب منيع من هذا الكفر والإلحاد . ولكنهم يشرفون على أهله وهم في ضلالتهم يعمهون ، وفي كفرهم يترددون ، ولأتباع الرسل يحاربون ، وإلى خلاف طريقهم يدعون . وبغير هداهم يهتدون . وعن صراطهم المستقيم ناكبون . ولما جاءا به يعارضون
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 9 ) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 15 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
[ البقرة : 9 ، 16 ] .
هامش
( 1 ) جزى اللّه الشيخ الإمام ابن القيم عن هذا التحذير أفضل ما يجزي المؤمنين الصادقين الناصحين المخلصين .