تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 719

مساهمون:

ص٧١٩
حياة للقلب ولا نعيم إلا بحبه والقرب منه ، والأنس بذكره . فإن سلوّ القلب وغفلته عن ذكره : هو من أعظم العيوب . فهذه الملاحظة إذا صدقت عصمت صاحبها عن عيب سلوته عن مطلوبه ومراده . فإنه في هذه الدرجة مستغرق في شهود الأسماء والصفات . وقد استولى على قلبه نور الإيمان بها ومعرفتها ، ودوام ذكرها . ومع هذا : فباب السلوة عليه مسدود وطريقها عليه مقطوع . والمحب يمكنه التسلي قبل أن يشاهد جمال محبوبه ، ويستغرق في شهود كماله ، ويغيب به عن غيره . فإذا وصل إلى هذه الحال كان كما قيل :
مرت بأرجاء الخيال طيوفه * فبكت على رسم السلو الدارس
قال « الدرجة الثالثة : ملاحظة عين الجمع . وهي توقظ لاستهانة المجاهدات . وتخلص من رعونة المعارضات . وتفيد مطالعة البدايات » . هذه الدرجة عنده : أرفع مما قبلها . فإن ما قبلها - مطالعة كشف الأنوار - تشير إلى نوع كسب واختيار . وهذه مطالعة تجذب القلب من التفرق في أودية الإرادات ، وشعاب الأحوال والمقامات ، إلى ما استولى عليه من عين الجمع ، الناظر إلى الواحد الفرد ، الأول الذي ليس قبله شيء ، الآخر الذي ليس بعده شيء ، الظاهر الذي ليس فوقه شيء ، الباطن الذي ليس دونه شيء . سبق كل شيء بأوليته . وبقي بعد كل شيء بآخريته . وعلا فوق كل شيء بظهوره . وأحاط بكل شيء ببطونه . فالنظر بهذه العين : يوقظ قلبه لاستهانته بالمجاهدات . ومعنى ذلك : أن السالك في مبدأ أمره له شرّة ، وفي طلبه حدّة ، تحمله على أنواع المجاهدات ، وترميه عليها لشدة طلبه . ففتوره نائم ، واجتهاده يقظان . فإذا وصل إلى هذه الدرجة : استهان بالمجاهدات الشاقة في جنب ما حصل له من مقام الجمع على اللّه . واستراح من كدّها . فإن ساعة من ساعات الجمع على اللّه : أنفع وأجدى عليه من القيام بكثير من المجاهدات البدنية ، التي لم يفرضها اللّه عليه . فإذا جمع همّه وقلبه كله على اللّه ، وزال كل مفرق ومشتت : كانت هذه هي ساعات عمره في الحقيقة . فتعوّض بها عما كان يقاسيه من كدّ المجاهدات وتعبها . وهذا موضع غلط فيه طائفتان من الناس : إحداهما : غلت فيه ، حتى قدمته على الفرائض والسنن . ورأت نزولها عنه إلى القيام بالأوامر انحطاطا من الأعلى إلى الأدنى . حتى قيل لبعض من زعم أنه ذاق ذلك : قم إلى الصلاة ، فقال :
يطالب بالأوراد من كان غافلا * فكيف بقلب كل أوقاته ورد ؟
وقال آخر : لا تسيّب واردك لوردك . وهؤلاء بين كافر وناقص . فمن لم ير القيام بالفرائض - إذا حصلت له الجمعية - فهو كافر ، منسلخ من الدين . ومن عطل لها مصلحة راجحة - كالسنن الرواتب ، والعلم النافع ، والجهاد ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والنفع العظيم المتعدي - فهو ناقص .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 719 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى