تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 717

مساهمون:

ص٧١٧
( 44 ) [ الأنعام : 44 ] وقال قوم قارون له
لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
[ القصص : 76 ] فالفرح متى كان باللّه ، وبما منّ اللّه به ، مقارنا للخوف والحذر : لم يضر صاحبه ، ومتى خلا عن ذلك : ضره ولا بد . قوله « ويبعث على الشكر إلا ما قام به الحق عز وجل من حق الصفة » . هذا الكلام يحتمل معنيين : أحدهما : أن يريد أن هذه الملاحظة تبعثه على الشكر للّه في السراء والضراء في كل حين ، إلا ما عجزت قدرته عن شكره . فإن الحق سبحانه هو الذي يقوم به لنفسه بحق كماله المقدس ، وكمال صفاته ونعوته . فتلك الملاحظة تبسط للعبد الشكر الذي يعجز عنه ، ولا يقدر أن يقوم به . فإن شكر العبد لربه : نعمة من اللّه أنعم بها عليه . فهي تستدعي شكرا آخر عليها . وذلك الشكر نعمة أيضا . فيستدعي شكرا ثالثا . وهلمّ جرّا . فلا سبيل إلى القيام بشكر الرب على الحقيقة . ولا يشكره على الحقيقة سواه . فإنه هو المنعم بالنعمة وبشكرها . فهو الشكور لنفسه ، وإن سمى عبده شكورا . فمدحة الشكر في الحقيقة : راجعة إليه ، وموقوفة عليه . فهو الشاكر لنفسه بما أنعم على عبده . فما شكره في الحقيقة سواه ، مع كون العبد عبدا والرب ربا . فهذا أحد المعنيين في كلامه . المعنى الثاني : أن هذا اللحظ يبسطه للشكر الذي هو وصفه وفعله . لا الشكر الذي هو صفة الرب جل جلاله وفعله . فإنه سمى نفسه بالشكور ، كما قال تعالى :
وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً
[ النّساء : 147 ] وقال أهل الجنة
إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
[ فاطر : 34 ] فهذا الشكر الذي هو وصفه سبحانه لا يقوم إلا به . ولا يبعث العبد على الملاحظة المذكورة إلا على وجه واحد . وهو أنه : إذا لاحظ سبق الفضل منه سبحانه ، علم أنه فعل ذلك لمحبته للشكر . فإنه تعالى يحب أن يشكر . كما قال موسى عليه السلام : « يا رب ، هلّا ساويت بين عبادك ؟ فقال : إني أحب أن أشكر » . وإذا كان يحب الشكر فهو أولى أن يتصف به ، كما أنه سبحانه وتر ، يحب الوتر ، جميل يحب الجمال ، محسن يحب المحسنين ، صبور يحب الصابرين ، عفو يحب العفو ، قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف . فكذلك هو شكور يحب الشاكرين . فملاحظة العبد سبق الفضل تشهده صفة الشكر . وتبعثه على القيام بفعل الشكر . واللّه أعلم . قال « الدرجة الثانية : ملاحظة نور الكشف . وهي تسبل لباس التولّي وتذيق طعم التجلي . وتعصم من عوار التسلي » . هذه الدرجة : أتم مما قبلها . فإن تلك الدرجة : ملاحظة ما سبق بنور العلم . وهذه ملاحظة كشف بحال قد استولى على قلبه ، حتى شغله عن الخلق . فأسبل عليه لباس توليه اللّه وحده وتوليه عما سواه . ونور الكشف عندهم : هو مبدأ الشهود . وهو نور تجلي معاني الأسماء الحسنى على القلب . فتضيء به ظلمة القلب . ويرتفع به حجاب الكشف . ولا تلتفت إلى غير هذا ، فتزل قدم بعد ثبوتها . فإنك تجد في كلام بعضهم « تجلي الذات