تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 716

مساهمون:

ص٧١٦
وفضله ، وأنه محض منته عليه ، وأنه به وحده ، ومنه وحده . فيغيب عن شهود حقيقة قوله تعالى :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
[ النّحل : 53 ] وقوله :
قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ
[ آل عمران : 154 ] وقوله :
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
( 107 ) [ يونس : 107 ] وقوله :
وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
[ القصص : 86 ] وقوله :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
[ النّور : 21 ] وأمثال ذلك . فيغيبه عن شهود ذلك . ويحيله على معرفته في كسبه وطلبه . فيحيله على نفسه التي لها الفقر بالذات ، ويحجبه عن الحوالة على الملئ الوفيّ الذي له الغنى التام كله بالذات فهذا من أعظم أسباب المكر . واللّه المستعان . ولو بلغ العبد من الطاعة ما بلغ ، فلا ينبغي له أن يفارقه هذا الحذر . وقد خافه خيار خلقه ، وصفوته من عباده . قال شعيب صلى اللّه عليه وسلم ، وقد قال له قومه :
لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ ( 88 ) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا
[ الأعراف : 88 ، 89 ] فردّ الأمر إلى مشيئة اللّه تعالى وعلمه ، أدبا مع اللّه ، ومعرفة بحق الربوبية ، ووقوفا مع حد العبودية . وكذلك قال إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم لقومه - وقد خوفوه بآلهتهم - فقال :
وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
[ الأنعام : 80 ] فرد الأمر إلى مشيئة اللّه وعلمه . وقد قال تعالى :
أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
( 99 ) [ الأعراف : 99 ] . وقد اختلف السلف : هل يكره أن يقول العبد في دعائه : اللهم لا تؤمّنّي مكرك ؟ . فكان بعض السلف يدعو بذلك . ومراده : لا تخذلني ، حتى آمن مكرك ولا أخافه ؛ وكرهه مطرف بن عبد اللّه بن الشخير . وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الوهاب عن إسحاق عن مطرف : أنه كان يكره أن يقول : اللهم لا تنسني ذكرك ، ولا تؤمني مكرك . ولكن أقول : اللهم لا تنسني ذكرك ، وأعوذ بك أن آمن مكرك ، حتى تكون أنت تؤمنني . وبالجملة : فمن أحيل على نفسه ، فقد مكر به . قال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد - مولى بني هاشم - حدثنا الصلت بن طريف المعولي حدثنا غيلان بن جرير عن مطرف قال : وجدت هذا الإنسان ملقى بين اللّه عز وجل وبين الشيطان . فإن يعلم اللّه تعالى في قلبه خيرا : جبذه إليه . وإن لم يعلم فيه خيرا : وكله إلى نفسه . ومن وكله إلى نفسه فقد هلك . وقال جعفر بن سليمان : حدثنا ثابت عن مطرف قال : لو أخرج قلبي فجعل في يدي هذه في اليسار . وجيء بالخير فجعل في هذه اليمنى . ثم قرّبت من الأخرى ما استطعت أن أولج في قلبي شيئا حتى يكون اللّه عز وجل يضعه . ومما يدل على أن الفرح من أسباب المكر ، ما لم يقارنه خوف : قوله تعالى :
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ