تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 715

مساهمون:

ص٧١٥
والمعنى الثاني : أن من لاحظ بعين قلبه ما سبق له من ربه من جزيل الفضل والإحسان والبر من غير معاوضة ، ولا سبب من العبد أصلا . فإنه سبقت له تلك السابقة وهو في العدم . لم يكن شيئا البتة - شغلته تلك الملاحظة بطلب اللّه ومحبته وإرادته عن الطلب منه . وقطعت عليه طريق السؤال ، اشتغالا بذكره وشكره ، ومطالعة منته عن مسألته . لا لأن مسألته والطلب منه نقص . بل لأنه في هذه الحال لا يتسع للأمرين ، بل استغراقه في شهود المنة وسبق الفضل قطع عليه طريق الطلب والسؤال . وهذا لا يكون مقاما لازما له لا يفارقه . بل هذا حكمه في هذه الحال . واللّه أعلم .

السرور والفرح والمكر

قوله « وينبت السرور ، إلا ما يشوبه من حذر المكر » . يعني : أن هذا اللحظ من العبد ينبت له السرور ، إذا علم أن فضل ربه قد سبق له بذلك قبل أن يخلقه ، مع علمه به وبأحواله وتقصيره ، على التفصيل . ولم يمنعه علمه به : أن يقدر له ذلك الفضل والإحسان . فهو أعلم به إذ أنشأه من الأرض ، وإذ هو جنين في بطن أمه . ومع ذلك فقدّر له من الفضل والجود ما قدره بدون سبب منه . بل مع علمه بأنه يأتي من الأسباب ما يقتضي قطع ذلك ومنعه عنه . فإذا شاهد العبد ذلك : اشتد سروره بربه ، وبمواقع فضله وإحسانه . وهذا فرح محمود غير مذموم . قال اللّه تعالى :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
( 58 ) [ يونس : 58 ] ففضله : الإسلام والإيمان ، ورحمته : العلم والقرآن . وهو يحب من عبده أن يفرح بذلك ويسرّ به . بل يحب من عبده : أن يفرح بالحسنة إذا عملها وأن يسر بها . وهو في الحقيقة فرح بفضل اللّه ، حيث وفقه اللّه لها ، وأعانه عليها ويسرها له . ففي الحقيقة : إنما يفرح العبد بفضل اللّه وبرحمته . ومن أعظم مقامات الإيمان : الفرح باللّه ، والسرور به . فيفرح به إذ هو عبده ومحبه . ويفرح به سبحانه ربا وإلها ، ومنعما ومربيا ، أشد من فرح العبد بسيده المخلوق المشفق عليه ، القادر على ما يريده العبد ويطلبه منه . المتنوع في الإحسان إليه ، والذب عنه . وسيأتي عن قريب - إن شاء اللّه - تمام هذا المعنى في باب « السرور » . قوله « إلا ما يشوبه من حذر المكر » أي يمازجه . فإن السرور والفرح يبسط النفس وينميها . وينسيها عيوبها وآفاتها ونقائصها . إذ لو شهدت ذلك وأبصرته لشغلها ذلك عن الفرح . وأيضا فإن الفرح بالنعمة قد ينسيه المنعم . فيشتغل بالخلعة التي خلعها عليه عنه . فيطفح عليه السرور ، حتى يغيب بنعمته عنه . وهنا يكون المكر إليه أقرب من اليد للفم . وللّه كم هاهنا من مستردّ منه ما وهب له عزة وحكمة ! وربما كان ذلك رحمة به . إذ لو استمر على تلك الولاية لخيف عليه من الطغيان . كما قال تعالى :
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
( 7 ) [ العلق : 6 ، 7 ] فإذا كان هذا غنى بالحطام الفاني ، فكيف بالغنى بما هو أعلى من ذلك وأكثر ؟ فصاحب هذا إن لم يصحبه حذر المكر : خيف عليه أن يسلبه وينحط عنه . و « المكر » الذي يخاف عليه منه : أن يغيّب اللّه سبحانه عنه شهود أوليته في ذلك ومنته
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 715 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى