« تذاكرت : ما جماع الخير . فإذا الخير كثير : الصيام ، والصلاة . وإذا هو في يد اللّه تعالى . وإذا أنت لا تقدر على ما في يد اللّه إلا أن تسأله ، فيعطيك . فإذا جماع الخير : الدعاء » .
وفي هذا المقام غلط طائفتان من الناس :
طائفة : ظنت أن القدر السابق يجعل الدعاء عديم الفائدة .
وقالوا : فإن المطلوب إن كان قد قدّر ، فلا بد من وصوله ، دعا العبد أو لم يدع وإن لم يكن قد قدر ، فلا سبيل إلى حصوله ، دعا أو لم يدع .
ولما رأوا الكتاب والسنة والآثار قد تظاهرت بالدعاء وفضله ، والحث عليه وطلبه ، قالوا :
هو عبودية محضة . لا تأثير له في المطلوب البتة . وإنما تعبّدنا به اللّه . وله أن يتعبد عباده بما شاء كيف شاء .
والطائفة الثانية : ظنت أن بنفس الدعاء والطلب ينال المطلوب ، وأنه موجب لحصوله ، حتى كأنه سبب مستقل . وربما انضاف إلى ذلك شهودهم : أن هذا السبب منهم وبهم ، وأنهم هم الذين فعلوه ، وأن نفوسهم هي التي فعلته وأحدثته ، وإن علموا أن اللّه خالق أفعال العباد وحركاتهم وسكناتهم وإراداتهم ، فربما غاب عنهم شهود كون ذلك باللّه ومن اللّه ، لا بهم ولا منهم . وأنه هو الذي حركهم للدعاء . وقذفه في قلب العبد . وأجراه على لسانه .
فهاتان الطائفتان غالطتان أقبح غلط . وهما محجوبتان عن اللّه .
فالأولى : محجوبة عن رؤية حكمته في الأسباب ونصبها لإقامة العبودية ، وتعلق الشرع والقدر بها . فحجابها كثيف عن معرفة حكمة اللّه سبحانه وتعالى في شرعه وأمره وقدره .
والثانية : محجوبة عن رؤية مننه وفضله ، وتفرده بالربوبية والتدبير . وأنه ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن . وأنه لا حول للعبد ولا قوة له - بل ولا للعالم أجمع - إلا به سبحانه . وأنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ومشيئته .
وقول الطائفة الأولى « إن المطلوب إن قدر لا بد من حصوله ، وإنه إن لم يقدر فلا مطمع في حصوله » .
جوابه ، أن يقال : بقي قسم ثالث ، لم تذكروه . وهو أنه قدّر بسببه . فإن وجد سببه وجد ما رتب عليه . وإن لم يوجد سببه لم يوجد . ومن أسباب المطلوب : الدعاء والطلب اللذين إذا وجدا وجد ما رتب عليهما . كما أن من أسباب الولد : الجماع . ومن أسباب الزرع : البذر .
ونحو ذلك . وهذا القسم الثالث هو الحق .
ويقال للطائفة الثانية : لا موجب إلا مشيئة اللّه تعالى . وليس هاهنا سبب مستقل غيرها .
فهو الذي جعل السبب سببا . وهو الذي رتب على السبب حصول المسبب . ولو شاء لأوجده بغير ذلك السبب . وإذا شاء منع سببية السبب ، وقطع عنه اقتضاء أثره . وإذا شاء أقام له مانعا يمنعه عن اقتضاء أثره ، مع بقاء قوته فيه . وإذا شاء رتب عليه ضد مقتضاه وموجبه .
فالأسباب طوع مشيئته سبحانه وقدرته ، وتحت تصرفه وتدبيره . يقلبها كيف شاء . فهذا أحد المعنيين في كلامه .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 714
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٧١٤