ينفعه . ويدفع عنه ما يحذره . فإن القدر السابق قد استقر بوصول المقدور إليه ، سأله أو لم يسأله . ولكن يكون سؤاله على وجه التذلل ، وإظهار فقر العبودية ، وذلها بين يدي عز الربوبية .
فإن الرب سبحانه يحب من عبده أن يسأله ويرغب إليه . لأن وصول بره وإحسانه إليه موقوف على سؤاله . بل هو المتفضل به ابتداء بلا سبب من العبد ، ولا توسط سؤاله وطلبه . بل قدّر له ذلك الفضل بلا سبب من العبد ، ثم أمره بسؤاله والطلب منه ، إظهارا لمرتبة العبودية والفقر والحاجة ، واعترافا بعز الربوبية . وكمال غنى الرب ، وتفرده بالفضل والإحسان ، وأن العبد لا غنى له عن فضله طرفة عين ، فيأتي بالطلب والسؤال إتيان من يعلم : أنه لا يستحق بطلبه وسؤاله شيئا . ولكن ربه تعالى يحب أن يسأل ، ويرغب إليه ، ويطلب منه . كما قال تعالى
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
[ غافر : 60 ] وقال تعالى :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ
( 186 ) [ البقرة : 186 ] وقال :
وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ
[ النّساء : 32 ] وقال :
قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ
[ الفرقان : 77 ] وقال :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
[ الأعراف : 55 ] وقال :
وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً
[ الأعراف : 56 ] .
قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « ليسأل أحدكم ربّه كل شيء ، حتى شسع نعله إذا انقطع . فإنه إن لم ييسره لم يتيسّر » وقال : « من لم يسأل اللّه يغضب عليه » وروى الترمذي عن ابن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال :
« سلوا اللّه من فضله . فإن اللّه يحب أن يسأل من فضله . وما سئل اللّه شيئا أحبّ إليه من العافية » وقال « إن لربكم في أيام دهركم نفحات . فتعرضوا لنفحاته . واسألوا اللّه أن يستر عوراتكم ، ويؤمن روعاتكم » وقال « ما من داع يدعو اللّه بدعوة إلا آتاه بها أحد ثلاث إما أن يعجل له حاجته ، وإما أن يعطيه من الخير مثلها ، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها . قالوا : إذا نكثر يا رسول اللّه ؟ قال : فاللّه أكثر » وقال « ليس شيء أكرم على اللّه من الدعاء » .
وقال تعالى - في الحديث القدسي فيما رواه مسلم عن أبي ذر رضي اللّه عنه - عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « يا عبادي ، كلكم جائع إلا من أطعمته . فاستطعموني أطعمكم . يا عبادي ، كلكم عار إلا من كسوته . فاستكسوني أكسكم . يا عبادي ، كلكم ضال إلا من هديته . فاستهدوني أهدكم . يا عبادي ، إنكم تخطئون بالليل والنهار . وأنا أغفر الذنوب جميعا . ولا أبالي ، فاستغفروني أغفر لكم » وقال صلى اللّه عليه وسلم « وأما السجود : فاجتهدوا فيه في الدعاء ، فقمن أن يستجاب لكم » .
وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه « إني لا أحمل همّ الإجابة . ولكن أحمل همّ الدعاء .
فإذا ألهمت الدعاء علمت أن الإجابة معه » .
وفي هذا يقول القائل :
لو لم ترد بذل ما أرجو وأطلبه * من جود كفّك ما عودتني الطلبا
واللّه سبحانه وتعالى يحب تذلل عبيده بين يديه ، وسؤالهم إياه ، وطلبهم حوائجهم منه ، وشكواهم إليه ، وعياذهم به منه ، وفرارهم منه إليه . كما قيل :
قالوا : أتشكو إليه * ما ليس يخفى عليه ؟
فقلت : ربي يرضى * ذلّ العبيد لديه
وقال الإمام أحمد رحمه اللّه : حدثنا عبد الوهاب عن إسحاق عن مطرف بن عبد اللّه قال