نظره إليه إجلالا له . كما كان أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يحدون النظر إليه إجلالا له . وقال عمرو بن العاص « لم أكن أملأ عيني منه إجلالا له . ولو سئلت : أن أصفه لكم لما قدرت . لأني لم أكن أملأ عيني منه » .
ومنها : خوف اللامح سطوته . ومنها محبته . ومنها الحياء منه . ومنها ضعف القوة الباصرة عن التحديق فيه . وهذا السبب هو السبب الغالب في هذا الباب .
ويجوز أن تقرأ بكسر الراء وتشديد القاف . أي نظرا يسترقّ صاحبه . أي يأسر قلبه ويجعله رقيقا - أي عبدا مملوكا للمنظور إليه - لما شاهد من جماله وكماله ، فاسترقّ قلبه . فلم يكن بينه وبين رقّه له إلا مجرد وقوع لحظه عليه .
فهكذا صاحب هذه الحال إذا لاحظ بقلبه جلال الربوبية . وكمال الرب سبحانه وكمال نعوته ، ومواقع لطفه وفضله ، وبره وإحسانه : استرق قلبه له وصارت له عبودية خاصة .
درجات اللحظ
قال : « وهو في هذا الباب على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : ملاحظة الفضل سبقا .
وهي تقطع طريق السؤال ، إلا ما استحقته الربوبية من إظهار التذلل لها . وتنبت السرور ، إلا ما يشوبه من حذر المكر . وتبعث على الشكر إلا ما قام به الحق عز وجل من حق الصفة » .
الشيخ عادته في كل باب أن يقول : وهو على ثلاث درجات . وقال هاهنا « وهو في هذا الباب على ثلاث درجات » فعين هذا الباب هنا دون غيره من الأبواب . لأن « اللحظ » مشترك بين لحظ البصر ، ولحظ البصيرة . والشيخ إنما أراد هاهنا هذا الثاني دون الأول . فإن كلامه فيه خاصة . وهو لما صدّر بالآية والأمر بالنظر فيها : إنما توجه إلى الأمر بنظر العين ، استدرك كلامه .
وقال : اللحظ الذي نشير إليه في هذا الباب ليس هو لحظ العين . واللّه أعلم .
قوله « ملاحظة الفضل سبقا » الفضل : هو العطاء الإلهي . و « السبق » هو ما سبق له بالتقدير قبل خروجه إلى الدنيا . كما قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
( 101 ) [ الأنبياء : 101 ] وقال :
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ( 171 ) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ( 172 ) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ
( 173 ) [ الصّافات : 171 - 173 ] .
وهذا الكلام يفسر على معنيين .
أحدهما : أن العبد إذا رأى ما قدره اللّه له قد سبق به تقديره - فهو واصل إليه لا محالة .
ولا بد أن يناله - سكن جأشه ، واطمأن قلبه ، ووطن نفسه ، وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه .
وما أخطأه لم يكن ليصيبه . وأنه ما يفتح اللّه له وللناس من رحمة فلا ممسك لها . وما يمسك فلا مرسل له من بعده . فإذا تيقن ذلك ، وذاق طعم الإيمان به : قطع ذلك عليه طريق الطلب من ربه .
لأن ما سبق له به القدر كائن واصل لا محالة .
ثم استدرك الشيخ : أن العبد لا بد له من سؤال ربه ، والطلب منه . فقال :
« إلا ما استحقته الربوبية من إظهار التذلل لها » أي لا يعتقد أن سؤاله وطلبه يجلب له ما