تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 711

مساهمون:

ص٧١١
والمغربين . بل أبعد مما بين أسفل سافلين وأعلى عليين . وتلك مواهب العزيز الحكيم
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
( 4 ) [ الجمعة : 4 ] . قوله « وذوق المسامرة : طعم العيان » مرادهم بالمسامرة : مناجاة القلب ربه ، وإن سكت اللسان ، فلذة استيلاء ذكره تعالى ، ومحبته على قلب العبد ، وحضوره بين يديه ، وأنسه به ، وقربه منه ، حتى يصير كأنه يخاطبه ويسامره ، ويعتذر إليه تارة ، ويتملقه تارة ، ويثني عليه تارة ، حتى يبقى القلب ناطقا بقوله « أنت اللّه الذي لا إله إلا أنت » من غير تكلف له بذلك . بل يبقى هذا حالا له ومقاما . ولا ينكر وصول القوم إلى هذا « 1 » . فقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه » فإذا بلغ في مقام الإحسان بحيث يكون كأنه يرى اللّه سبحانه . فهكذا مخاطبته ومناجاته له . لكن الأولى العدول عن لفظ « المسامرة » إلى « المناجاة » فإنه اللفظ الذي اختاره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في هذا . وعبر به عن حال العبد بقوله « إذا قام أحدكم في الصلاة ؟ فإنه يناجي ربه » وفي الحديث الآخر « كلكم يناجي ربه . فلا يجهر بعضكم على بعض » . فلا تعدل عن ألفاظه صلى اللّه عليه وسلم . فإنها معصومة ، وصادرة عن معصوم ، والإجمال والإشكال في اصطلاحات القوم وأوضاعهم . وباللّه التوفيق .

ومن ذلك منزلة اللحظ

ومن ذلك : منزلة « اللحظ » . قال شيخ الإسلام : ( باب اللحظ ) قال اللّه تعالى :
وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي
[ الأعراف : 143 ] . قلت : يريد - واللّه أعلم - بالاستشهاد بالآية : أن اللّه سبحانه أراد أن يري موسى صلى اللّه عليه وسلم من كمال عظمته وجلاله ما يعلم به أن القوة البشرية في هذه الدار لا تثبت لرؤيته ومشاهدته عيانا . لصيرورة الجبل دكّا عند تجلي ربه سبحانه أدنى تجلّ . كما رواه ابن جرير في « تفسيره » من حديث حماد بن سلمة : أخبرنا ثابت عن أنس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم :
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا
[ الأعراف : 143 ] قال حماد : هكذا - ووضع الإبهام على مفصل الخنصر الأيمن - فقال حميد لثابت : أتحدّث بمثلي هذا ؟ فضرب ثابت صدر حميد ضربة بيده . وقال : رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحدث به ، وأنا لا أحدث به ؟ » رواه الحاكم في « صحيحه » وقال : هو على شرط مسلم . وهو كما قال . والمقصود : أن الشيخ استشهد بهذه الآية في باب « اللحظ » لأن اللّه سبحانه أمر موسى أن ينظر إلى الجبل حين تجلى له ربه . فرأى أثر التجلي في الجبل دكّا . فخرّ موسى صعقا . قال الشيخ « اللحظ : لمح مسترقّ » الصواب قراءة هذه الكلمة على الصفة بالتخفيف . فوصف « اللمح » بأنه « مسترق » كما يقال ؛ سارقته النظر . وهو لمح بخفية ، بحيث لا يشعر به الملموح . ولهذا الاستراق أسباب . منها : تعظيم الملموح وإجلاله . فالناظر يسارقه النظر . ولا يحدّ
هامش
( 1 ) أما المؤمنون الصادقون فنعم . وأما الصوفية : فهيهات ثم هيهات .