تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 710

مساهمون:

ص٧١٠
حتى قال بعض هؤلاء : المنقطع ليس في الحقيقة منقطعا . بل لم يزل متصلا ، لكنه كان غائبا عن المشاهدة . فلما شاهد وجد نفسه لم يكن منقطعا . بل لم يزل متصلا . قال : وليس قولنا « لم يزل متصلا » بسديد . فإن الاتصال لا يصح إلا بين اثنين . فلا المحجوب منقطعا . ولا المكاشف متصلا . وإنما هي عبارات للتقريب والتفهيم . وأنشد في ذلك :
ما بال عيسك لا يقرّ قرارها * وإلام ظلّك لا يني متنقلا ؟ فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن * إلا إليك إذا بلغت المنزلا
وبإزاء هؤلاء طائفة غلظ حجابهم ، وكثفت أرواحهم عن هذا الشأن . فزعموا : أن القرب والبعد والأنس ليس له حقيقة تتعلق بالخالق سبحانه . وإنما ذلك القرب من داره وجنته بالطاعات ، وأنس القلب بما وعد عليها من الثواب ، والبعد ضد ذلك . لأن العبد لا يقرب من ربه . ولا يبعد عنه . ولا يأنس به . وصرحوا بأنه لا يريده ولا يحبه . فلا يصح تعلق الإرادة والمحبة به . فسار هؤلاء مغربين . وسار أولئك مشرقين . كما قيل :
سارت مشرّقة وسرت مغرّبا * شتان بين مشرق ومغرب
ومصباح الموحد السالك على درب الرسول وطريقه : يتوقد
مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ
[ النّور : 35 ] . قوله « وذوق الهمة : طعم الجمع » جعل الهمة ذائقة . وإنما الذوق لصاحبها ، توسعا . و « الهمة » قد عبر عنها الشيخ فيما تقدم بأنها « ما يملك الانبعاث إلى المقصود صرفا » أي حالة وصفية لها سطوة وملكة ، تحمل صاحبها على المقصود . وتبعثه عليه بعثا لا يخالطه غيره . فالهمة عندهم : طلب الحق ، من غير التفات إلى غيره . و « الجمع » شهود الفردانية التي تفنى فيها رسوم المشاهد . وهذا جمع في الربوبية . وأعلى منه : الجمع في الألوهية وهو جمع قلبه وهمه وسره على محبوبه ومراضيه ومراده منه . فهو عكوف القلب بكليته على اللّه عز وجل . لا يلتفت عنه يمنة ولا يسرة . فإذا ذاقت الهمة طعم هذا الجمع : اتصل اشتياق صاحبها ، وتأججت نيران المحبة والطلب في قلبه . ويجد صبره عن محبوبه من أعظم كبائره . كما قيل :
والصبر يحمد في المواطن كلها * إلا عليك . فإنه لا يحمد
وقد تقدم ذكر الأثر الإلهي « إني لا أنظر إلى كلام الحكيم . وإنما أنظر إلى همته » . فلله همة نفس قطعت جميع الأكوان ، وسارت فما ألقت عصى السير إلا بين يدي الرحمن . تبارك وتعالى ، فسجدت بين يديه سجدة الشكر على الوصول إليه . فلم تزل ساجدة حتى قيل لها
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وَادْخُلِي جَنَّتِي
[ الفجر : 27 ، 30 ] . فسبحان من فاوت بين الخلق في هممهم ، حتى ترى بين الهمتين أبعد مما بين المشرقين