تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 709

مساهمون:

ص٧٠٩
السوى : توقف السالك ، وتنكس الطالب ، وتحجب الواصل . فإياك وإرادة السوى وإن علا . فإنك تحجب عن اللّه بقدر إرادتك لغيره . قال تعالى إخبارا عن عباده المقربين :
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً
( 9 ) [ الإنسان : 9 ] وقال تعالى :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
[ الأنعام : 52 ] وقال تعالى :
وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ( 19 ) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى
( 20 ) [ الليل : 19 ، 20 ] . قوله : « ولا تكدره تفرقة » الكدر : ضد الصفاء . والتفرقة : ضد الجمعية . والجمعية : هي جمع القلب والهمة على اللّه بالحضور معه بحال الأنس ، خاليا من تفرقة الخواطر . و « التفرقة » من أعظم مكدرات القلب . وهي تزيل الصفاء الذي أثمره له الإسلام والإيمان والإحسان . فإن القلب يصفو بذلك . فتجيء التفرقة . فتكدر عليه ذلك الصفاء ، وتشعّث القلب . فيجد الصادق ألم ذلك الشعث وأذاه . فيجتهد في لمه ، ولا يلمّ شعث القلوب بشيء غير الإقبال على اللّه والإعراض عما سواه . فهناك يلم شعثه ، ويزول كدره ، ويصح سفره . ويجد روح الحياة ، ويذوق طعم الحياة الملكية . قال « الدرجة الثالثة : ذوق الانقطاع : طعم الاتصال . وذوق الهمة : طعم الجمع . وذوق المسامرة : طعم العيان » . والفرق بين هذه الدرجة ، والتي قبلها : أن تلك بقاء مع الأحوال . وهذه الدرجة : خروج وفناء عن الأحوال . فإن المتمكن في حال فنائه عن الأسباب - أعمالا كانت ، أو أحوالا - هو الذي يجد طعم الاتصال حقيقة . فإنه على حسب تجرده عن الالتفات إلى الأسباب يكون اتصاله . وعلى حسب التفاته إليها يكون انقطاعه . وكلما تمكن في جمع همّه على الحق سبحانه ، وجد لذة الجمع عليه ، وذاق طعم القرب منه ، والأنس به . فالانقطاع عند القوم : هو أنس القلب بغيره تعالى ، والالتفات إلى ما سواه . والاتصال : تجريد التعلق به وحده . والانقطاع عما سواه بالكلية . إذا عرفت هذا . فلنرجع إلى تفسير كلامه . فقوله « ذوق الانقطاع طعم الاتصال » استعارة ، وإلا فالذائق هو صاحب الانقطاع ، لا نفس الانقطاع . فإنه هو الذي ذاق الانقطاع والاتصال . وبالجملة : فالمراد أن المنقطع هو المحجوب ، والمتصل هو المشاهد بقلبه ، المكاشف بسره . وأحسن من التعبير بالاتصال : التعبير بالقرب « 1 » . فإنها العبارة السديدة . التي ارتضاها اللّه ورسوله في هذا المقام . وأما التعبير بالوصل والاتصال : فعبارة غير سديدة . يتشبث بها الزنديق الملحد ، والصديق الموحد . فالموحّد : يريد بالاتصال : القرب . وبالانفصال والانقطاع : البعد . والملحد يريد به الحلول تارة والاتحاد تارة .
هامش
( 1 ) هذا صحيح ، ولكن عند من ؟ عند من يفرق بين العبد وبين الرب . فأما من يحاول دائما ، ويحرص كل الحرص في الدرجة الثالثة من كل منزل : أن يجمع . فلا تصلح لمقصوده إلا عبارة الاتصال والوصل . الذي يلزم من « الفناء » على معتقدهم .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 709 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى