تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 708

مساهمون:

ص٧٠٨
آخر « إنهم إذا رأوه - سبحانه - لم يلتفتوا إلى شيء مما هم فيه من النعيم ، حتى يتوارى عنهم » . فمن قطعه عن هذا أمل ، فقد فاز بالحرمان ، ورضي لنفسه بغاية الخسران ، واللّه المستعان . وعليه التكلان . وما شاء اللّه كان . قوله « ولا تعوقه أمنية » الأمنية : هي ما يتمناه العبد من الحظوظ . وجمعها أماني . والفرق بينها وبين « الأمل » أن الأمل يتعلق بما يرجى وجوده . والأمنية : قد تتعلق بما لا يرجى حصوله . كما يتمنى العاجز المراتب العالية . والأماني الباطلة : هي رؤوس أموال المفاليس . بها يقطعون أوقاتهم ويلتذون بها ، كالتذاذ من زال عقله بالمسكر ، أو بالخيالات الباطلة . وفي الحديث المرفوع « الكيّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت . والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنّى على اللّه الأماني » . ولا يرضى بالأماني عن الحقائق إلا ذوو النفوس الدنيئة الساقطة . كما قيل :
واترك منى النفس . لا تحسبه يشبعها * إن المنى رأس أموال المفاليس
وأمنية الرجل تدل على علو همته وخستها . وفي أثر إلهي « إني لا أنظر إلى كلام الحكيم ، وإنما أنظر إلى همته » والعامة تقول : قيمة كل امرئ ما يحسنه . والعارفون يقولون : قيمة كل امرئ ما يطلب . قال « الدرجة الثانية : ذوق الإرادة طعم الأنس . فلا يعلق به شاغل . ولا يفسده عارض . ولا تكدره تفرقة » . « الإرادة » وصف المريد . والفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها : أن الأولى وصف حال العابد الذي ذاق بتصديقه طعم وعد الرب عز وجل ، فجدّ في العبادة . وأعمال البر ، لثقته بالوعد عليها . وصاحب هذه الدرجة : ذاقت إرادته طعم الأنس . فهي حال المريد . ولهذا علق حال صاحب الدرجة الأولى : بالوعد الجميل . وعلق حال صاحب هذه الدرجة : بالأنس باللّه . والأنس به سبحانه أعلى من الأنس بما يرجوه العابد من نعيم الجنة . فإذا ذاق المريد طعم الأنس جدّ في إرادته ، واجتهد في حفظ أنسه ، وتحصيل الأسباب المقوية له . « فلا يعلق به شاغل » أي لا يتعلق به شيء يشغله عن سلوكه ، وسيره إلى اللّه ، لشدة طلبه الباعث عليه أنسه ، الذي قد ذاق طعمه ، وتلذذ بحلاوته . والأنس باللّه : حالة وجدانية . وهي من مقامات الإحسان ، تقوى بثلاثة أشياء : دوام الذكر ، وصدق المحبة ، وإحسان العمل . وقوة الأنس وضعفه : على حسب قوة القرب . فكلما كان القلب من ربه أقرب ، كان أنسه به أقوى . وكلما كان منه أبعد ، كانت الوحشة بينه وبين ربه أشد . قوله « ولا يفسده عارض » العارض المفسد : هو الذي يعذل المحب ، ويلومه على النشاط في رضى محبوبه وطاعته ، ويدعوه إلى الالتفات إليه ، والوقوف معه دون مطلبه العالي . فهو كالذي يجيء عرضا يمنع المار في طريقه عن المرور ، ويلفته عن جهة مقصده إلى غيرها . وهذا « العارض » عند القوم : هو إرادة السوى . فإن كل ما سوى اللّه فهو عارض . وإرادة