فإن ذلك إنما يحصل بصدق الذوق والوجد . كما قال الحسن « ليس الإيمان بالتمني ، ولا بالتحلي ، ولكن ما وقر في القلب ، وصدقه العمل » .
فالذوق والوجد : أمر باطن ، والعمل دليل عليه ومصدق له . كما أن الريب والشك والنفاق : أمر باطن . والعمل دليل عليه ومصدق له . فالأعمال ثمرات العلوم والعقائد . فاليقين :
يثمر الجهاد ، ومقامات الإحسان . فعلى حسب قوته تكون ثمرته ونتيجته . والريب والشك : يثمر الأعمال المناسبة له . وباللّه التوفيق .
قوله : « ولا يقطعه أمل » أي من علامات الذوق : أن لا يقطع صاحبه عن طلبه أمر دنيا ، وطمع في غرض من أغراضها . فإن الأمل والطمع يقطعان طريق القلب في سيره إلى مطلوبه .
ولم يقل الشيخ « إنه لا يكون له أمل » بل قال « لا يقطعه أمل » فإن الأمل إذا قام به ولم يقطعه : لم يضره ، وإن عوق سيره بعض التعويق . وإنما البلاء في الأمل القاطع للقلب عن سيره إلى اللّه .
وعند الطائفة : أن كل ما سوى اللّه ، فإرادته : أمل قاطع ، كائنا ما كان . فمن كان ذلك أمله ، ومنتهى طلبه : فليس من أهل ذوق الإيمان . فإنه من ذاق حلاوة معرفة اللّه والقرب منه ، والأنس به : لم يكن له أمل في غيره . وإن تعلق أمله بسواه ، فهو لإعانته على مرضاته ومحابه .
فهو يؤمله لأجله ، ولا يؤمله معه .
فإن قلت : فما الذي يقطع به العبد هذا الأمل ؟ .
قلت : قوة رغبته في المطلب الأعلى ، الذي ليس شيء أعلى منه . ومعرفته بخسة ما يؤمّل دونه ، وسرعة ذهابه . فيوشك انقطاعه . وأنه في الحقيقة كخيال طيف ، أو سحابة صيف . فهو ظل زائل ، ونجم قد تدلّى للغروب . فهو عن قريب آفل . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « ما لي وللدنيا ؟ إنما أنا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها » وقال « ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليمّ ، فلينظر : بم ترجع ؟ » فشبه الدنيا في جنب الآخرة بما يعلق على الإصبع من البلل حين تغمس في البحر .
قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه « لو أن الدنيا من أولها إلى آخرها أوتيها رجل ، ثم جاءه الموت : لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسره . ثم استيقظ فإذا ليس في يده شيء » .
وقال مطرف بن عبد اللّه - أو غيره - « نعيم الدنيا بحذافيره في جنب نعيم الآخرة : أقل من ذرة في جنب جبال الدنيا » .
ومن حدّق عين بصيرته في الدنيا والآخرة : علم أن الأمر كذلك .
فكيف يليق بصحيح العقل والمعرفة : أن يقطعه أمل من هذا الجزء الحقير عن نعيم لا يزول ، ولا يضمحل ؟ فضلا عن أن يقطعه عن طلب من نسبة هذا النعيم الدائم إلى نعيم معرفته ومحبته ، والأنس به ، والفرح بقربه ، كنسبة نعيم الدنيا إلى نعيم الجنة ؟ قال اللّه تعالى :
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ
[ التّوبة : 72 ] فيسير من رضوانه - ولا يقال له يسير - أكبر من الجنات وما فيها .
وفي حديث الرؤية « فو اللّه ما أعطاهم اللّه شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجهه » وفي حديث