تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 706

مساهمون:

ص٧٠٦

درجات الذوق

قال : « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : ذوق التصديق طعم العدة . فلا يعقله ظن ، ولا يقطعه أمل . ولا تعوقه أمنية » . يريد : أن العبد المصدق إذا ذاق طعم الوعد من اللّه على إيمانه وتصديقه وطاعته : ثبت على حكم الوعد واستقام . « فلم يعقله ظن » أي لم يحبسه ظن ، تقول . عقلت فلانا عن كذا ، أي منعته عنه وصددته ، ومنه عقال البعير ، لأنه يحبسه عن الشرود . ومنه : العقل . لأنه يحبس صاحبه عن فعل ما لا يحسن ولا يجمل . ومنه : عقلت الكلام ، وعقلت معناه : إذا حبسته في صدرك ، وحصّلته في قلبك ، بعد أن لم يكن حاصلا عندك . ومنه : العقل للدية . لأنها تمنع آخذها من العدوان على الجاني وعصبته . والمقصود : أن ذوق طعم الإيمان بوعد اللّه يمنع الذائق أن يحبسه ظن عن الجد في الطلب ، والسير إلى ربه . و « الظن » هو الوقوف عن الجزم بصحة الوعد والوعيد ، بحيث لا يترجح عنده جانب التصديق . وكأن الشيخ يقول : الذائق بالتصديق طعم الوعد ، لا يعارضه ظن يعقله عن صدق الطلب ، ويحبس عزيمته عن الجد فيه . وفي حديث « سيد الاستغفار » قوله : « وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت » أي مقيم على التصديق بوعدك ، وعلى القيام بعهدك ، بحسب استطاعتي . والحامل على هذه الإقامة والثبات : ذوق طعم الإيمان ، ومباشرته للقلب . ولو كان الإيمان مجازا - لا حقيقة - لم يثبت القلب على حكم الوعد ، والوفاء بالعهد . ولا يفيد في هذا المقام إلا ذوق طعم الإيمان . وثوب العارية لا يجمل لابسه . ولا سيما إذا عرف الناس أنه ليس له ، وأنه عارية عليه ، كما قيل :
ثوب الرياء يشفّ عمّا تحته * فإذا اشتملت به فإنك عاري
وكان بعض الصحابة يكثر التلبية في إحرامه ، ثم يقول « لبيك ، لو كان رياء لاضمحل » وقد نفى اللّه تعالى الإيمان عمن ادعاه . وليس له فيه ذوق . فقال تعالى :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ الحجرات : 14 ] فهؤلاء مسلمون ، وليسوا بمؤمنين . لأنهم ليسوا ممن باشر الإيمان قلبه ، فذاق حلاوته وطعمه . وهذا حال أكثر المنتسبين إلى الإسلام . وليس هؤلاء كفارا . فإنه سبحانه أثبت لهم الإسلام بقوله :
وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
[ الحجرات : 14 ] ولم يرد : قولوا بألسنتكم ، من غير مواطأة القلب . فإنه فرق بين قولهم « آمنا » وقولهم « أسلمنا » ولكن لما لم يذوقوا طعم الإيمان ، قال « لم تؤمنوا » ووعدهم سبحانه وتعالى - مع ذلك - على طاعتهم أن لا ينقصهم من أجور أعمالهم شيئا . ثم ذكر أهل الإيمان الذين ذاقوا طعمه ، وهم الذين آمنوا به وبرسوله . ثم لم يرتابوا في إيمانهم . وإنما انتفى عنهم الريب : لأن الإيمان قد باشر قلوبهم . وخالطتها بشاشته . فلم يبق للريب فيه موضع . وصدّق ذلك الذوق : بذلهم أحب شيء إليهم في رضى ربهم تعالى . وهو أموالهم وأنفسهم . ومن الممتنع : حصول هذا البذل من غير ذوق طعم الإيمان ، ووجود حلاوته .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 706 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى