تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 705

مساهمون:

ص٧٠٥
فإنه إذا تذكر أبصر الحقيقة ، كما قال تعالى :
تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
[ الأعراف : 201 ] فالتذكر يوجب التبصر ، فيكون له الإيمان بعد التبصر ذوقا وعيانا . ولهذا قال بعده
وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ( 49 ) جَنَّاتِ عَدْنٍ
[ ص : 49 - 50 ] فالتذكر بهذا الذكر ، الذي قصه اللّه تعالى : يشهد صاحبه الإيمان بالمعاد ، وما أعد اللّه لأوليائه عند لقائه . فيصير إيمانهم بذلك ذوقا ، لا خبرا محضا . لأنه نشأ عن تذكرهم بذكره سبحانه ، وتأملهم حقائقه وأسراره ، وما فيه من الهدى والبيان . فالتذكر سبب الذوق . واللّه سبحانه أعلم .

تعريف الذوق

قال « والذوق : أبقى من الوجد ، وأجلى من البرق » . يريد به : أن منزلة « الذوق » أثبت وأرسخ من منزلة « الوجد » وذلك لأن أثر الذوق يبقى في القلب ، ويطول بقاؤه . كما يبقى أثر ذوق الطعام والشراب في القوة الذائقة . ويبقى على البدن والروح . فإن « الذوق » مباشرة - كما تقدم - و « الوجد » عند الشيخ « لهيب يتأجج من شهود عارض مقلق » فهو عنده من العوارض ، كالهيمان والقلق . فإنه ينشأ من مكاشفة لا تدوم . فلذلك جعله أبقى من الوجد . وأما قوله « وأجلى من البرق » فإن البرق أسرع انقضاء ، وكشفه دون كشف الذوق . وهذا صحيح . ولكن جعله « الذوق » أبقى من « الوجد » وأعلى منه : فيه نظر . وقد يقال : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم جعل « الوجد » فوق « الذوق » وأعلى منزلة منه ، فإنه قال « ثلاث من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان - الحديث » وقال في الذوق « ذاق طعم الإيمان » فوجد حلاوة الشيء المذوق : أخص من مجرد ذوقه . ولما كانت الحلاوة أخص من الطعم : قرن بها الوجد الذي هو أخص من مجرد الذوق . فقرن الأخص بالأخص ، والأعم بالأعم . وليس المراد بوجد حلاوة الإيمان : الوجد الذي هو لهيب القلب . فإن ذلك مصدر وجد بالشيء وجدا ، وإنما هو من الوجود الذي هو الثبوت . فمصدر هذا الفعل : الوجود والوجدان ، فوجد الشيء يجده وجدانا : إذا حصل له وثبت . كما يجد الفاقد الشيء الذي بعد منه . ومنه قوله تعالى :
وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ
[ النّور : 39 ] وقوله :
ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
[ النّساء : 110 ] وقوله :
أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ( 6 ) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ( 7 ) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى
( 8 ) [ الضّحى : 6 - 8 ] وقوله :
إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً
[ ص : 44 ] فهذا كله من الوجود والثبوت . وكذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : « وجد بهن حلاوة الإيمان » . فوجدان الشيء : ثبوته واستقراره . ولا ريب أن ذوق طعم الإيمان وجدان له . إذ يمتنع حصول هذا الذوق من غير وجدان . ولكن اصطلاح كثير من القوم على أن الذائق أخص من الواجد . فكأنه شارك الواجد في الحصول ، وامتاز عنه بالذوق . فإنه قد يجد الشيء ولا يذوقه الذوق التام . وهذا ليس كما قالوه . بل وجود هذه الحقائق للقلب : ذوق لها وزيادة ، وثبوت واستقرار . واللّه سبحانه وتعالى أعلم .