الإخبار عن إذاقته : أنه واقع مباشر غير منتظر . فإن الخوف قد يتوقع ولا يباشر ، وأفاد الإخبار عن لباسه : أنه محيط شامل كاللباس للبدن .
وفي الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم « ذاق طعم الإيمان : من رضي باللّه ربا ، وبالإسلام دينا . وبمحمد - صلى اللّه عليه وسلم - رسولا » فأخبر : أن للإيمان طعما ، وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام والشراب .
وقد عبر النبي صلى اللّه عليه وسلم عن إدراك حقيقة الإيمان ، والإحسان ، وحصوله للقلب ومباشرته له :
بالذوق تارة ، وبالطعام والشراب تارة ، وبوجود الحلاوة تارة ، كما قال « ذاق طعم الإيمان » وقال « ثلاث من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : من كان اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما . ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا اللّه . ومن كان يكره أن يرجع في الكفر - بعد إذ أنقذه اللّه منه - كما يكره أن يلقى في النار » .
ولما نهاهم عن الوصال قالوا « إنك تواصل ، قال : إني لست كهيئتكم ، إني أطعم وأسقى » وفي لفظ « إني أظلّ عند ربي يطعمني ويسقيني » وفي لفظ « إن لي مطعما يطعمني ، وساقيا يسقيني » .
وقد غلظ حجاب من ظن أن هذا طعام وشراب حسّي للفم . ولو كان كما ظنه هذا الظان :
لما كان صائما ، فضلا عن أن يكون مواصلا . ولما صح جوابه بقوله « إني لست كهيئتكم » فأجاب بالفرق بينه وبينهم . ولو كان يأكل ويشرب بفيه الكريم حسا ، لكان الجواب أن يقول : وأنا لست أواصل أيضا . فلما أقرهم على قولهم « إنك تواصل » علم أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يمسك عن الطعام والشراب ، ويكتفي بذلك الطعام والشراب العالي الروحاني ، الذي يغني عن الطعام والشراب المشترك الحسي .
وهذا الذوق هو الذي استدل به هرقل على صحة النبوة ، حيث قال لأبي سفيان « فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه ؟ فقال : لا . قال : وكذلك الإيمان ، إذا خالطت حلاوته بشاشة القلوب » .
فاستدل بما يحصل لأتباعه من ذوق الإيمان - الذي خالطت بشاشته القلوب : لم يسخطه ذلك القلب أبدا - على أنه دعوة نبوة ورسالة ، لا دعوى ملك ورياسة .
والمقصود : أن ذوق حلاوة الإيمان والإحسان ، أمر يجده القلب . تكون نسبته إليه كنسبة ذوق حلاوة الطعام إلى الفم ، وذوق حلاوة الجماع إلى إلفة النفس . كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك » فللإيمان طعم وحلاوة يتعلق بهما ذوق ووجد . ولا تزول الشبه والشكوك عن القلب إلا إذا وصل العبد إلى هذه الحال . فباشر الإيمان قلبه حقيقة المباشر .
فيذوق طعمه ويجد حلاوته . واللّه الموفق .
باب الذوق
قال صاحب المنازل ( باب الذوق ) قال اللّه تعالى :
هذا ذِكْرُ
[ الأنبياء : 24 ] [ ص : 49 ] .
في تنزيل هذه الآية على الذوق صعوبة . الذي يظهر - واللّه أعلم - أن الشيخ أراد : أن الذوق مقدمة الشراب ، كما أن التذكر مقدمة المعرفة ، ومنه يدخل إلى مقام الإيمان والإحسان .