تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 703

مساهمون:

ص٧٠٣
وإما أن يريد به : افتخاره على الشيطان . وهذه مخيلة محمودة ، طربا وافتخارا عليه . فإن اللّه لا يكره ذلك . ولهذا يحب المختال بين الصفين عند الحرب ، لما في ذلك من مراغمة أعدائه ، ويحب الخيلاء عند الصدقة - كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث - لسرّ عجيب ، يعرفه أولو الصدقات والبذل من نفوسهم عند ارتياحهم للعطاء ، وابتهاجهم به ، واختيالهم على النفس الشحيحة الأمارة بالبخل . وعلى الشيطان المزين لها ذلك :
وهم ينفدون المال في أول الغنى * ويستأنفون الصبر في آخر الصبر مغاوير للعليا ، مغابير للحمى * مفاريج للغمّى ، مداريك للوتر وتأخذهم في ساعة الجود هزّة * كما تأخذ المطراب عن نزوة الخمر
فهذا الافتخار من تمام العبودية . أو يريد به : أنه حريّ بالافتخار بما تميز به . ولم يفتخر به إبقاء على عبوديته وافتقاره . وكلا المعنيين صحيح . واللّه أعلم . وسر ذلك : أن العبد إذا لاحظ ما هو فيه من الألطاف ، وشهده من عين المنة ، ومحض الجود : شهد مع ذلك فقره إليه في كل لحظة ، وعدم استغنائه عنه طرفة عين . فكان ذلك من أعظم أبواب الشكر ، وأسباب المزيد ، وتوالي النعم عليه . وكلما توالت عليه النعم : أنشأت في قلبه سحائب السرور . وإذا انبسطت هذه السحائب في سماء قلبه ، وامتلأ بها أفقه : أمطرت عليه وابل الطرب بما هو فيه من لذيذ السرور . فإن لم يصبه وابل فطلّ . وحينئذ يجري على لسانه وظاهره نهر الافتخار من غير عجب ولا فخر ، بل فرحا بفضل اللّه ورحمته ، كما قال تعالى
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
[ يونس : 58 ] فالافتخار على ظاهره ، والافتقار والانكسار في باطنه ، ولا ينافي أحدهما الآخر . وتأمل قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » فكيف أخبر بفضل اللّه ومنته عليه . وأخبر أن ذلك لم يصدر منه افتخارا به على من دونه ، ولكن إظهارا لنعمة اللّه عليه ، وإعلاما للأمة بقدر إمامهم ومتبوعهم عند اللّه ، وعلو منزلته لديه . لتعرف الأمة نعمة اللّه عليه وعليهم . ويشبه هذا قول يوسف الصديق للعزيز
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
( 55 ) [ يوسف : 55 ] فإخباره عن نفسه بذلك ، لما كان متضمنا لمصلحة تعود على العزيز وعلى الأمة ، وعلى نفسه : كان حسنا . إذ لم يقصد به الفخر عليهم ، فمصدر الكلمة والحامل عليها يحسّنها ويهجّنها . وصورته واحدة .

ومنها منزلة « الذوق »

و « الذوق » مباشرة الحاسة الظاهرة والباطنة للملائم والمنافر . ولا يختص ذلك بحاسة الفم في لغة القرآن ، بل ولا في لغة العرب . قال اللّه تعالى :
ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
[ آل عمران : 181 ] وقال
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
[ آل عمران : 106 ] وقال تعالى :
هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ
( 57 ) [ ص : 57 ] وقال :
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
[ النّحل : 112 ] . فتأمل كيف جمع بين الذوق واللباس ، ليدل على مباشرة المذوق وإحاطته وشموله . فأفاد
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 703 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى