تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 702

مساهمون:

ص٧٠٢
هذا البرق أفقه وعينه : غير أفق البرق الأول . فإن هذا يلمع من أفق الحذر ، وذاك من أفق الرجاء . فإذا شام هذا البرق : استقصر فيه الطويل من الأمل . وتخيل في كل وقت : أن المنية تعافصه وتفاجئه . فاشتد حذره من هجومها ، مخافة أن تحل به عقوبة اللّه ، ويحال بينه وبين الاستعتاب والتأهب للقاء . فيلقى ربه قبل الطهر التام . فلا يؤذن له بالدخول عليه بغير طهارة . كما أنه لم يؤذن له في دار التكليف بالدخول عليه للصلاة بغير طهارة . وهذا يذكّر العباد بالتطهر للموافاة والقدوم عليه ، والدخول وقت اللقاء لمن عقل عن اللّه ، وفهم أسرار العبادات . فإذا كان العبد لا يدخل عليه حتى يستقبل بيته المحرم بوجهه ، ويستر عورته ، ويطهر بدنه وثيابه ، وموضع مقامه بين يديه . ثم يخلص له النية . فهكذا الدخول عليه وقت اللقاء ، لا يحصل إلا بأن يستقبل ربه بقلبه كله . ويستر عوراته الباطنة بلباس التقوى . ويطهر قلبه وروحه وجوارحه من أدناسها الظاهرة والباطنة . ويتطهر للّه طهرا كاملا . ويتأهب للدخول أكمل تأهب . وأوقات الصلاة نظير وقت الموافاة . فإذا تأهب العبد قبل الوقت : جاءه الوقت وهو متأهب . فيدخل على اللّه . وإذا فرط في التأهب : خيف عليه من خروج الوقت قبل التأهب . إذ هجوم وقت الموافاة مضيّق لا يقبل التوسعة . فلا يمكّن العبد من التطهر والتأهب عند هجوم الوقت . بل يقال له : هيهات ، فات ما فات ، وقد بعدت بينك وبين التطهر المسافات . فمن شام برق الوعيد بقصر الأمل : لم يزل على طهارة . وأما « تزهيده في الخلق على القرب » وإن كانوا أقاربه أو مناسبيه ، أو مجاوريه وملاصقيه ، أو معاشريه ومخالطيه : فلكمال حذره ، واستعداده واشتغاله بما أمامه ، وملاحظة الوعيد من أفق ذلك البارق الذي ليس بخلّب ، بل هو أصدق بارق . ويحتمل أن يريد بقوله « عن قرب » أي عن أقرب وقت . فلا ينتظر بزهده فيهم : أملا يؤمله . ولا وقتا يستقبله . قوله « ويرغب في تطهير السر » يعني تطهير سره عما سوى اللّه . وقد تقدم بيانه . قال « الدرجة الثالثة : برق يلمع من جانب اللطف في عين الافتقار . فينشىء سحاب السرور . ويمطر مطر الطرب . ويجري من نهر الافتخار » . هذا البرق يلمع من أفق ملاطفة الرب تعالى لعبده بأنواع الملاطفات . ومطلع هذا البرق : في عين الافتخار ، الذي هو باب السلوك إلى اللّه تعالى ، والطريق الأعظم الذي لا يدخل عليه إلا منه . وكل طريق سواه فمسدود . ومع هذا فلا يصل العبد منه إلا بالمتابعة . فلا طريق إلى اللّه البتة أبدا - ولو تعنّى المتعنون ، وتمنى المتمنون - إلا الافتقار ، ومتابعة الرسول فقط . فلا يتعب السالك نفسه في غير هذه الطريق . فإنه على غير شيء . وهو صيد الوحوش والسباع . قوله « فينشىء سحاب السرور » أي ينشئ للعبد سرورا خاصا وفرحا بربه لا عهد له بمثله ، ولا نظير له في الدنيا ، ونفحة من نعيم الجنة ، ونسمة من ريح شمالهم . فإذا نشأ له ذلك السحاب أمطر عليه صيّب الطرب ، فطرب باطنه وسرّه لما ورد عليه من عند سيده ووليه . وإذا اشتد ذلك الطرب . جرى به نهر الافتخار ، يتميز به عن أبناء جنسه بما خصه اللّه به .