وقوله « يلمع للعبد » أي يبدو له ويظهر « فتدعوه إلى الدخول في هذه الطريق » ولم يرد طريق أهل البدايات . فإن تلك هي « اليقظة » التي ذكرها في أول كتابه ، وإنما أراد : طريق أرباب التوسط والنهايات .
وعلى هذا : فالبرق - الذي أشار إليه - هو برق الأحوال ، لا برق الأعمال ، أو برق لا سبب له من السالك . إنما هو مجرد موهبة .
والدليل على أنه أراد ما يحصل لأرباب التوسط والنهايات : أنه أخذ - بعد تعريفه - يفرق بينه وبين الوجد .
فقال « والفرق بينه وبين الوجد : أن الوجد يقع بعد الدخول فيه . والبرق قبله . فالوجد زاد والبرق إذن » .
يريد : أن « البرق » نور يقذفه اللّه في قلب العبد ، ويبديه له . فيدعوه به إلى الدخول في الطريق . و « الوجد » هو شدة الطلب ، وقوته الموجبة لتأجيج اللهيب من الشهود ، كما تقدم .
« والوجد زاد » يعني : أنه يصحب السالك كما يصحبه زاده . بل هو من نفائس زاده « والبرق إذن » يعني إذنا في السلوك ، و « الإذن » إنما يفسح للسالك في المسير لا غير .
درجات البرق
قال « وهو ثلاث درجات . الأولى : برق يلمع من جانب العدة في عين الرجاء . فيستكثر فيه العبد القليل من العطاء ، ويستقل فيه الكثير من الإعياء ، ويستحلي فيه مرارة القضاء »
يعني بالعدة : ما وعد اللّه أولياءه من أنواع الكرامة في هذه الدار وعند اللقاء .
وقوله « يلمع في عين الرجاء » أي يبدو في حقيقة « الرجاء » من أفقه وناحيته فيوجب له ذلك استكثار القليل ، ولا قليل من اللّه من عطائه ؛ والحامل له على هذا الاستكثار : أربعة أمور :
أحدها : نظره إلى جلالة معطيه وعظمته .
الثاني : احتقاره لنفسه . فإن ازدراءه لها : يوجب استكثار ما يناله من سيده .
الثالث : محبته له . فإن المحبة إذا تمكنت من العبد استكثر قليل ما يناله من محبوبه .
الرابع : أن هذا - قبل العطاء - لم يكن له إلف به ، ولا اتصال بالعطية . فلما فاجأته :
استكثرها .
وأما « استقلاله الكثير من الإعياء » - وهو التعب والنصب - فلأنه لما بدا له برق الوعود من أفق الرجاء : حمله ذلك على الجد والطلب . وحمل عنه مشقة السير . فلم يجد لذلك من مسّ الإعياء والنصب ما يجده من لم يشم ذلك .
وكذلك « استحلاؤه - في هذا البرق - مرارة القضاء » وهو البلاء الذي يختبر به اللّه عز وجل عباده ، ليبلوهم أيهم أصبر وأصدق ، وأعظم إيمانا ، ومحبة وتوكلا وإنابة ؟ فإذا لاح للسالك هذا البرق : استحلى فيه مرارة القضاء .
قال « الدرجة الثانية : برق يلمع من جانب الوعيد في عين الحذر . فيستقصر فيه العبد الطويل من الأمل ، ويزهد في الخلق على القرب . ويرغب في تطهير السر » .