أمواج التحقيق عند ظهور البراهين . فهام قلبه فيها . وهذا أمر يعرفه بالذوق كل طالب لأمر عظيم انفتحت له الطرق والأبواب إلى تحصيله .
ويريد « بتواصل عجائبه » تتابع عجائب التحقيق ، وأن بعضها لا يحجب عن بعض ، ولا يقف في طريق بعض . وكذلك « لوامع أنواره » وأعظم ما يجد هذا الواجد : عند استغراقه في تدبر القرآن . ويحصل ذلك بحسب استعداده وأهليته للفهم . ونسبة ما دون ذلك إليه : كتفلة في بحر .
قال « الدرجة الثالثة : هيمان عند الوقوع في عين القدم . ومعاينة سلطان الأزل ، والغرق في بحر الكشف » .
يريد : هيمان الفناء . و « الوقوع في عين القدم » إنما يكون باضمحلال الرسم وفنائه في شهود القدم . فإنه يفنى من لم يكن مشهودا . ويبقى من لم يزل . وكذلك معاينة سلطان الأزل لا يبقى معها معاينة رسوم الكائنات وأطلال الحادثات .
وأما « بحر الكشف » الذي أشار إليه : فهو انكشاف الحقيقة لعين القلب . ولا تعتقد أن للسالك وراء مقام الإحسان شيئا أعلى منه . بل الإحسان مراتب . وأما الكشف الحقيقي للحقيقة :
فلا سبيل إليه في الدنيا البتة .
والقوم يلوح لأحدهم أنوار هي ثمرات الإيمان . ومعاملات القلوب ، وآثار الأحوال الصادقة « 1 » فيظنونها نور الحقيقة . ولا يأخذهم في ذلك لومة لائم . وإنما هي أنوار في بواطنهم ليس إلا ، وباب العصمة عن غير الرسل مسدود إلا عمن اتفقت عليه الأمة . واللّه أعلم .
منزلة البرق
ومن أنوار
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
نور « البرق » الذي يبدو للعبد عند دخوله في طريق الصادقين .
وهو لامع يلمع لقلبه . يشبه لامع البرق .
قال صاحب المنازل « البرق : باكورة تلمع للعبد . فتدعوه إلى الدخول في هذه الطريق »
واستشهد عليه بقوله تعالى
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ( 9 ) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً
[ طه : 9 ، 10 ] .
ووجه الاستشهاد : أن النار التي رآها موسى كانت مبدأ في طريق نبوته .
و « البرق » مبدأ في طريق الولاية التي هي وراثة النبوة .
وقوله « باكورة » الباكورة : هي أول الشيء ، ومنه باكورة الثمار . وهو لما سبق نوعه في النضج .
هامش
( 1 ) الأولى أن يقال : « الأحوال غير الصادقة » وأصدق الإيمان والأحوال : إيمان وأحوال الصحابة والتابعين . وهم كانوا أهدى الناس بعد رسل اللّه ، وبالأخص الصديق رضي اللّه عنه وعنهم - فما بالهم وما بال السلف الصالح - من أئمة الهدى كالشافعي مالك وأحمد وإخوانهم - ما بالهم لم يكونوا يظنون هذا الظن السئ ؟ اللهم إنهم كانوا على صراط اللّه المستقيم حقا وصدقا ، يسيرون كل خطوة على بصيرة . وكان الصوفية ويكونون على جاهلية الهوى ، وغرور الدعاوى ، وظلمات الخيالات ولا هم لهم إلا الكلام المجود في الإنشاء والتزويق .