وقد تكلف له صاحب المنازل الاستشهاد بقوله تعالى :
وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً
[ الأعراف : 143 ] وما أبعد الآية من استشهاده . وكأنه ظن أن موسى ذهب عن تماسكه ، لما ورد عليه في حالة الخطاب والتكليم الإلهي . فأورثه ذلك هيمانا صعق منه ، وليس كما ظنه . وإنما صعق موسى عند تجلي الرب تعالى للجبل واضمحلاله ، وتدكدكه من تجلي الرب تعالى .
فالاستشهاد بالآية في منزلة « الفناء » التي تضمحل فيها الرسوم : أنسب وأظهر . لأن تدكدك الجبل : هو اضمحلال رسمه عند ورود نور التجلي عليه . و « الصّعق » فناء في هذه الحال لهذا الوارد المفني لبشرية موسى عليه الصلاة والسلام .
وقد حدّه بأنه « الذهاب عن التماسك تعجبا أو حيرة » .
يعني : أن الهائم لا يقدر على إمساك نفسه للوارد تعجبا منه وحيرة .
قال « وهو أثبت دواما ، وأملك للنعت من الدهش » . يعني : أن الهائم قد يستمر هيمانه مدة طويلة بخلاف المدهوش ، وصاحب « الهيمان » يملك عنان القول فيصرفه كيف يشاء . ويتمكن من التعبير عنه وأما الدهش : فلضيق معناه ، وقصر زمانه : لم يملك النعت . فالهائم أملك بنعت حاله ووارده من المدهوش .
درجات الهيمان
قال « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : هيمان في شيم أوائل برق اللطف عند قصد الطريق ، مع ملاحظة العبد خسّة قدره ، وسفالة منزلته ، وتفاهة قيمته » .
يريد : أن القاصد للسلوك إذا نظر إلى مواقع لطف ربه به - حيث أهّله لما لم يؤهل له أهل البلاء ، وهم أهل الغفلة والإعراض عنه - أورثه ذلك النظر تعجبا يوقعه في نوع من الهيمان . قال بعض العارفين في الأثر المروي « إذا رأيتم أهل البلاء فسلوا اللّه العافية » تدرون من أهل البلاء ؟
هم أهل الغفلة عن اللّه .
وتقوى هذه الحال إذا انضاف إليها شهود العبد خسة قدر نفسه . فاستصغرها أن تكون أهلا لما أهّلت له . وكذلك شهود « سفالة منزلته » أي انحطاط رتبته ، وكذلك شهود « تفاهة قيمته » أي خستها وقلتها .
وحاصل ذلك كله : احتقاره لنفسه ، واستعظامه للطف ربه به ، وتأهيله له . فيتولد من بين هذين : الهيمان المذكور . ولا ريب أنه يتولد من بين هذين الشهودين : أمور أخرى ، أجل وأعظم ، وأشرف من الهيمان - من محبة وحمد وشكر ، وعزم وإخلاص ، ونصيحة في العبودية ، وسرور وفرح بربه ، وأنس به - هي مطلوبة لذاتها . بخلاف عارض الهيمان . فإنه لا يطلب لذاته .
وليس هو من منازل العبودية .
قال « الدرجة الثانية : هيمان في تلاطم أمواج التحقيق ، عند ظهور براهينه ، وتواصل عجائبه ، ولوامع أنواره » .
يريد : أن السالك والمريد إذا لاحت له أنوار تحقق العلم والمعرفة : اهتدى بها إلى القصد ، عن بصيرة مستجدة ، ويقظة مستعدة . فاستنار بها قلبه ، وأشرق لها سره . فتلاطمت عليه