المشكاة إنما توقد بهذه الأنوار المتقيدة فيها ، والظاهرة بقواها ، من شجرة هي الذات الأقدس تعالى وتقدس ، كما عرفت ذلك في باب الشين ولهذا وصفها سبحانه بالبركة في قوله تعالى :
مُبارَكَةٍ
( النور : 35 ) .
وذلك لقدسها وكثرة فيضها واتساعه ودوامه ، فإن البركة القدس والزيادة والنماء والكثرة والاتساع ، فجعل تعالى ذلك وصفا للشجرة لأنها هي الأصل لكل ذلك ، وإنما كانت دنيوية لأنها هي الأصل عادة لجميع الأنوار المعبر عن تلك المادة بالزيت في قوله تعالى :
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ
( النور : 35 ) .
فالزيت كناية عن مادة النور الإلهى وزيت الزيتونة هو دهن ثمرها وخلاصة صفوته الذي عرفت بأنه الإنسان البالغ في كمال قابلية قلبه النقى إلى حد في القرب من حضرات الرب ، وقبوله للفيض منه بحيث يكاد أن يكون له ذلك بغير واسطة ملك ولا سبب المعبر عن هذا القرب بقوله تعالى :
وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ
.
أي ولو لم يصل إليه النور في رقيقة الإمداد المكنى عنها بالنار لأن النورية أول نور تعين من إطلاق نور الأنوار ولهذا وصف الحق تعالى ما يصل إليه من نور الوحي والإلهام بأنه
نُورُ
هو الصادر من الحضرة الإلهية
عَلى نُورٍ
هو روحه الروحانية التي هي نوره تعالى المشار إلى ذلك بقوله تعالى :
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
( النور : 35 ) أي يهدى اللّه من يشاء تعريفه بأن رسوله هو نوره المبعوث بنوره تعالى وتقدس .
وأما من جعل الشجرة كناية عن الإنسان كما عرفت في باب الشجرة فإنه ينزل ما جاء في الآية من المشكاة والمصباح والزجاجة وغير ذلك على مراتب الإنسان باعتبار تقلباته في أطوار كمالاته كما يكنى به بالمشكاة عن