فقر الفقر :
قيل : معناه ترك الحظ من الفقر ، وقيل : ترك اختيار الفقر على الغنى رعاية لاختيار اللّه ولإرادته على اختيار العبد وإرادته ، ومثل هذا لا يرى فضيلة في صورة فقر ، ولا في صورة غنى ، وإنما يرى الفضيلة فيما يختاره الحق لعبده .
ولهذا كان المحق من عباد اللّه من لا يختار فعلا ولا تركا إلّا في مجال الأمر والنهى العامين ، كما في عموم الشريعة أو لمكان إذن خاص ، [ 145 و ] وما عدا ذلك فإنه لا اختيار له فيه ، لأنه قد ترك الاختيار والاقتراح على اللّه ، فهو لا يتعلق له همة بترك شئ وأخذه إلّا عن أمر عام أو خاص ، وهذا هو المقام الذي به يحصل التحقق بالفراغ التام عن كل ما سوى اللّه ، إذ كان ذلك مقام من لم يبق له إرادة إلّا لما أمره اللّه بإرادته أو إرادة له ، فلولا أن يرد الأمر من اللّه « يا عبدي أقم الصلاة » ، وإلّا لما وقع له لإيقاعها ، ولولا يرد النهى من اللّه
وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى
( الإسراء : 32 ) لما وقع له اختيار لتركه ، لأنه عبد ربه لا عقله ، إذ لم يبق لقلبه تعلق إلّا بحب ما أمر اللّه بحبه وبكره ما أمر اللّه بكراهته ، فلا إرادة له إلّا على وفق إرادة اللّه وأمره لتحققه بتمام فقره .
الفقير :
من لا يستغنى بشئ دون الحق ، هكذا قاله الشبلي رحمه اللّه ، وقيل : من لا يملك ولا يملك .
وقال مظفر القرميسى : الفقير من ليس له إلى اللّه حاجة ، وهذا القول يحتمل وجوها .
منها أن هذه حالة من لا يريد غير الحق لتحققه بمقام الأدباء الذين لا يرون أن وراء اللّه غاية ليطلب ، فلهذا لا يعبدونه رغبة في ثواب ولا رهبة عن عقاب ، فمن كان هذه حاله لم يبق له حاجة غير اللّه ليكون ممن يريد اللّه