الحالة فنفسه لوامة ، لأنه لو لم تكن في قلبه بقية لما احتاج إلى المجاهدة ، وهذا هو الذي يقال له الفاني عن شهوته ، وذلك لأنه قد ترك مذموم الأفعال بجوارحه امتثالا لأمر الشريعة ، إلّا أن قلبه بعد ينازعه إليها ، لكونه لم يستقم بعد على الطريقة لتصفو أخلاقه الباطنة .
فناء الراغب :
هو الذي يفنى عن شهوته بجوارحه ، ويزهد مع ذلك فيها بقلبه لتحققه بالاستقامة على أحكام الطريقة ، وهذا ذو النفس المطمئنة الفاني برغبته ، أي الذي ترك لذة شهوته بجوارحه ثم رغب عنها بقلبه أيضا .
فناء المتحقق بالحق :
هو المشتغل بالحق عن الخلق ، ومثل هذا لا يعد راغبا عن شئ إلى شئ ، لأن الحق لا يسع معه سواه فلهذا سمى هذا الشخص بالفاني بالحق عما سواه .
فناء أهل الوجد :
هو فناء من فنى بالحق كما عرفته لكنه سمى فناؤه بفناء الوجد ، لكون الوجد هو سبب فنائه ، وذلك هو الذي يكون نفسه موجودة والخلق موجودين ، إلّا أنه لا علم له بهم ، ولا بنفسه ، ولا إحساس ولا خبر ، ويكون ذلك لاستهلاكه في حضرات القرب ، فهو لا يسعه حتى « 1 » إدراكه لنفسه فضلا عن غيره من العالمين ، ومثاله كمن دخل على ذي سلطان عظيم فأذهله عن نفسه وعن أهل مجلسه ، بل وربما أذهله استعظام ذلك العظم عن رؤيته له ، بحيث إذا خرج من عنده لم يمكنه استثبات شئ مما كان في ذلك المجلس ، حتى لو سئل عن هيئة المجلس ، وملابس أهله وترتيبهم فيه ، لم يدر ما يقول ، وكثيرا ما يقع مثل هذا . قال تعالى :
فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ
( يوسف : 31 ) فإذا كن لم يجدن عند مشاهدة جمال يوسف ألم قطع الأيدي وهو جمال صورة مقيدة [ 146 و ]
هامش
( 1 ) في الأصل : ح ، والصحيح حتى .