فالذي يشاهد هذا هو الذي يرى بأن أنا في الهوية الكبرى المحيطة بالهويات هو ، وأن نحن فيها بحقائقنا ، لأنه يرى أن صور معلومياتنا وأعياننا الثابتة وماهياتنا المسماة نحن إنما هي فيه هو ، وأن هو فينا نحن ، من حيث اعتبار المرتبة التي نحن بحسبها لسنا سوى شؤون الذات التي لا تزيد شؤونها عليها ، وإلى ذلك أشار الشيخ بقوله في كتاب منار الإنسانية :
أنا أنت فيه وأنت نحن ونحن هو * والكل في هو هو فسل ممن وصل
أي إلى الفقر التام ، الذي هو كمال الخلق عن أحكالم الكثرة والتحقق بحقيقة الوحدة ، التي لا يبقى معها للغير عين ، فعلى هذا الوجه من البيان يفهم من معنى قولهم « إذا تم الفقر فهو اللّه » .
أي إذا تم الخلو وكمل الفناء عن جميع أحكام الكثرة ، بحيث يشهد الوحدة الحقيقية ، فحينئذ يشهد بأنه هو اللّه ، أي بأنه لا هو إلّا هو ، فيرى حقيقة الهوية الواحدة ، التي بها كل هو هو ، فسل ممن وصل إلى حضرة الوحدانية الحقيقية ، التي تشاهد فيها أنه لا هو إلّا هو ، فافهم هذا تفز بالمعرفة المتعالية .
تتمة موضحة لما ذكرنا ، وذلك أنه لما لم يكن [ 144 ظ ] الموجود الظاهر حقّا فقط ، لاستحالة إحاطة الحدود به واكتشافها لكنهه ، ولا خلقا فقط لاستحالة قيام سوى الحق بدونه تعالى وتقدس ، صار الموجود حقّا خلقا ، فإذا استحضرت هذا عرفت أنه يلزم من تمام الفقر ، الذي هو الخلو التام عن الانحرافات الخلقية والجهات الإمكانية ، الذي هو حال من تم في فنائه عن أحكام خلقيته ، أن لا يبقى حي سوى الحق وحده ، وهذا هو المفهوم من قولهم :