بتعين جزئي من تعينات مطلق الجمال ، فما شأنك بمن شاهد كمال صورة الجمال المطلق عن الإطلاق والتقيد ، فأولى أن لا يجد مع مشهوده غيره ، فإن من استولى عليه سلطان الحقيقة لم يتسع معها أن يشهد من الأغيار لا عينا ولا أثرا ولا رسما ولا طللا ، وهذا هو الذي فنى عن الخلق ببقائه بالحق فيرى كل ما سوى اللّه باللّه لا بغيره .
فناء صاحب الوجود :
هو أيضا فناء من فنى بالحق وهو ما عرفته إلّا أنه خص ههنا بهذا الاسم لكونه ممن يجد نفسه وغيره من الخلق ، لكنه لا يرى لهم وجود ، إنما يرى الوجود الحق للّه وحده ، وأول مراتب هذا الفناء فناء رؤية العبد لفعله ، لقيامه باللّه على ذلك ، ثم يرتقى منه إلى فناء رؤيته لذاته ، لقيام اللّه عليها ، والفناء آخر المنازل العشرة التي يشتمل عليها قسم النهايات ، فنهاية انتهاء السائرين في منازل الفناء هو الوصول إلى إزالة قيد التقيد بحكم شئ من التجليات الظاهرية والباطنية .
فناء الفناء :
هو الفناء عن شهود هذا الفناء ، وقد يراد بفناء الفناء البقاء الثاني ، لأنه هو المقام الذي بعد الفناء كما عرفت . فهذا المعنى هو فناء الفناء لا محالة ، وقد يختصر القول في الفناء ، بأنه عبارة عن ذهاب تماسك العبد لاستهلاك في حضرات القرب ، بحيث يغنى عن كل ما سوى مشهوده ، ويقال أيضا بأن الفناء سقوط ملاحظة النفس ما التذت به لفنائها فيه عما سواه ، فإذا بلغ بها ذلك الفناء إلى فنائها عن شعورها بفنائها أيضا ، سميت حالها تلك بالفناء عما سوى المحبوب ، ليضمن ذلك الفناء الفناء لا محالة ، ويعبر عنه بالمحو وبالمحق وبالطمس ، وإن كانت هذه العبارات تقال عليه لاختلاف الأحوال في الشدة والضعف ، ولغير ذلك من المعاني المذكورة في الأبواب من هذا الكتاب ، فإنه قد يعبر عن الفناء الأشد بالطمس أو بالمحو أو