يهرعون إلى الجامع وكان أبو حنيفة رحمه اللّه قائما يصلى إلى جانبها ولم يشعر بذلك .
فهذه أحوال الغائبين عن الخلق لأن جل حضورهم مع الحق وتحققهم به .
ويحكى عن أبي عبد اللّه التروغبذى « 1 » أنه حصل في أيامه قحط حتى كان الناس يموتون من الجوع ، فدخل يوما إلى بيته فرأى فيه مقدار منوين حنطة فقال : الناس يموتون بالجوع وفي بيتي حنطة ؟ ! .
فأخذ عن نفسه فما كان يعود إليه عقله إلّا في أوقات الصلاة .
فإذا بدأ بالفريضة ثاب إليه عقله حتى يفرغ منها ثم يؤخذ بعد ذلك عن عقله ولم يزل كذلك حتى مات رحمة اللّه عليه .
وقال الشيوخ : إنه لما كان سبب غيبته عما سوى اللّه شفقة على خلق اللّه حفظ اللّه عليه القيام بآداب الشريعة عند غلبات أحكام الحقيقة ، وهذا شأن أهل العناية .
الغيرة :
مشتقة من الغير ولهذا لا يوصف بها إلّا من يراه ، أعنى الغير ، فهي لأجل ذلك من مراتب أحد رجلين :
رجل فيه بقايا من رسوم الخليقة بحيث لم يتحقق بعد بالوصول إلى حضرات الحقيقة .
ورجل وصل ثم رجع بربه إلى خلقه ولم يستهلك هناك ، فهي - أعنى الغيرة - وصف من لم يصل ووصف من وصل ثم رجع للتكميل .
هامش
( 1 ) في المخطوط الترغندى والصحيح ما ذكرناه عاليه واسم التروغبذى نسبة إلى تروغبذ إحدى قرى طوس وقد ذكره الشعراني رحمه اللّه باسم التروغبذى - راجع الطبقات الكبرى للإمام الشقراني رحمه اللّه تحقيق وضبط الأستاذ الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح والمستشار توفيق على وهبه - مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة .