وهذه هي الغيبة التي يحمد حالها بخلاف ما هو الحال عليه في الغيبة عن حضرة القدس بالاشتغال عنها بعالم الحس ، قال الشاعر :
ارض لمن غاب عنك غيبته * فذاك ذنب عقابه فيه
والغيبة قد تكون لوارد أوجبه تذكر ثواب أو تفكر في عقاب ، وقد تكون الغيبة عن الإحساس ، لأجل معنى من المعاني التي كاشف الحق بها عبده ، وقد تكون الغيبة للأمرين جميعا :
أما الأول فكما جرى للربيع بن خيثم حين كان يختلف إلى ابن مسعود رضى اللّه عنه فمر بحانوت حداد فرأى الحديدة المحماة في الكير فغشى عليه فلم يفق إلى الغد ، فلما أفاق سئل عن ذلك فقال : تذكرت كون أهل النار في النار ، فهذه غيبة حدثت عن خشية أوجبت غشية .
وأما الثاني فكما جرى لأبى يزيد رحمة اللّه عليه حين بعث إليه ذو النون رجلا من أصحابه لينقل إليه صفة أبى يزيد ، فلما دخل عليه قال أبو يزيد : ما تريد ؟ فقال : أريد أبا يزيد ، فقال : من أبو يزيد ؟ وأين أبو يزيد ؟ أنا في طلب أبى يزيد ، فخرج الرجل وقال : هذا مجنون ، ورجع إلى ذي النون فأخبره بما شهد فبكى « 1 » ذو النون وقال : أخي أبو يزيد ذهب في الذاهبين إلى اللّه الكريم .
وأما الثالث فكحال [ 139 و ] علي بن الحسين زين العابدين رضى اللّه عنهما حيث كان في سجوده فوقع في داره حريق فلم ينصرف من صلاته ، فسئل عن حاله فقال : ألهتني النار الكبرى عن هذه النار .
ووقعت سارية جامع الكوفة حتى انهد لها حوانيت السوق ، وأقبل الناس
هامش
( 1 ) في الأصل [ فبكا ] والصحيح [ فبكى ] .