وقد أشار الشيخ إلى هذه الأقسام الثلاثة في فصوص الحكم « 1 » عند الكلام على قوله صلى اللّه عليه وسلم :
« من عرف نفسه فقد عرف ربه » فإن الشيخ هناك استثنى تارة نقيض التالي لنقيض المقدم ، فقال : لكن لا يعرف أحد ربه فلا يعرف نفسه ، وتارة عين المقدم فقال : لكن لا يعرف أحد ربه فلا يعرف نفسه ، وتارة عين المقدم لعين التالي فقال : لكن كل واحد يعرف نفسه فهو يعرف ربه .
فأما الاستثناء الأول ، فإنه يفهم تارة باعتبار الناقصين في المعرفة عن رتب الكمال لينالوا ما هو مختص بأهل الحقيقة من معرفتهم للحق عز شأنه ، المعرفة التي هي أقصى مقاصد الكاملين من خلق اللّه ، ملكا وإنسانا وغير ذلك ، وتارة باعتبار الكامل ، فإن الولي وإن كان عارفا بنفسه المعرفة اللائقة بالكاملين من الخلق ، فهو لا يصح أن يعرفها بالمعرفة التي أستأثر بها الحق جل شأنه ، ثم إن مما قد انطوت عليه تلك المعرفة الإلهية هو أن الحق عز وجل قد يبقى على هذا الولي ولايته وقد يسلبها منه ، وهذا [ 134 و ] من المعارف التي هي دون صاحب هذه المرتبة ، فكيف يليق به بعد هذا أن يدعى المعرفة بنفسه ولهذا كان أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه إذا زكّى خاف مما يقال له كما هو مذكور في هذا الكتاب ، فقد تبين من كونه لا يصح للناقص ولا للكامل معرفة الحق بالتمام . إن ذلك أمر شائع في جميع الذوات وذلك ظاهر .
وأما أنه كونه كيف يفهم ما نحن بسبيله من كون الولي لا يعلم نفسه من استثناء عين المقدم لعين التالي ، فهو أن الإنسان إنما يعلم من نفسه كما يعلم من ربه ، أي أنه إنما يعلم أينه وهيئتها ، إما لميتها وحقيقتها ، فذلك من المستأثرات للّه تعالى كما قال أفلاطون : علم الحقائق مختص بالخالق .
هامش
( 1 ) كتاب ( فصوص الحكم ) تأليف الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربى ، وهو كتاب مطبوع مشهور .