فقوله : وأوجدتني روحي عين قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إني لأجد نفس الرحمن » « 1 » بلسان الجمع ، وروح تنفسي تعطر أنفاس العبير المفتّت ، يعني حال كوني رحمة للعالمين ، فافهم واجعل بالك تعتلي به أمثالك .
وعن شرك وصف الحسّ كلّي منزه وفيّ ، وقد وحّدت ذاتي ، نزهتي
يقول : وأن عين ذاتي الذي هو الكل بالنسبة إلى نسب واحديته منزّه عن الشرك المضاف إلى وصف الحسّ بإثباته لكلّ شيء ذاتا مستقلّة غير ذات شيء سواه يضاف إلى كل ذات صفات وآثار مختصّة به ، فيثبت وجودا متعدّدة ، وهذا شرك صريح في نظر الحقيقة ، فإن الذات التي هي عين الوجود واحد لا شريك له ، وفي حال شهودي هذا الذاتي ووجودي واحدة ، وحكمي بوحدتها الحقيقية بلا غير وغيرية فيها لتحقّقي بحضرة أحدية جمعي المذكورة لا تكون نزهتي وفرحتي إلّا في عين ذاتي وفي نسبها المحكوم عليها بنفي الغيريّة والمغايرة بينها لكونها عين ذاتي لا في صفاتي وآثار صنعي ومصنوعاتي في المراتب ، مع أن جميعها عين ذاتي بالنظر من تلك الحضرة .
ومدح صفاتي بي يوفّق مادحي لحمدي ، ومدحي بالصّفات مذمّتي
يعني : لمّا كان كمال الصفات متوقّفا على انصباغها بصبغة الذات في إطلاقها وعدم تقيّدها بمعنى وحكم وأثر مخصوص واشتمالها على الكلّ وإحاطتها بالجميع كان السيّار إذا تحقّق أولا بحضرة الذات وبالتجلّي الذاتي وشهوده ، ثم نظر بنظره المنصبغ بصبغة الذات في الصفات ألقاها كاملة شاملة مطلقة لسراية أثر الذات فيها من جهة نظره المنصبغ بتلك الصبغة ، كما أن صاحب اليرقان المنصبغ نظره بالصفراء يرى كل شيء مصفرّا ، وحينئذ يوفقه نظره في الصفات من حيث الذات أن يحمدني لها ويصفني بما يليق بكمال ذاتي وإطلاقها واشتمالها على الكل غير مقيّد بوصف ومعنى وأثر معيّن مخصوص .
وأمّا إذا مدحني أحد بصفاتي من غير أن يتحقّق بذاتي وينصبغ لسانه ونظره بحكمها وأثرها كانت مدحته إياي بها عين مذمّة لي ، فإن كل صفة هي مقيّدة
هامش
( 1 ) رواه البخاري في التاريخ الكبير ، باب سلمة ، حديث رقم ( 1990 ) [ 4 / 70 ] .