أخلاط يجمع من الطّيب ، والقول الثاني يصححه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أتعجز إحداكنّ أن تتخذ تومتين تلطخهما بعبير أو زعفران » « 1 » ، تومتين ، أي : حبّتين ، والمفتت :
المسحوق الذي يكون أعبق من العبير ، والواو في قوله : وروح تنفسي للحال من فاعل وأوجدتني .
يقول : لمّا كان العالم صورة تفصيل ذاتي وصورتي لعنصرية صورة إجمالها ووحدة جمعيتها ، ولا بدّ من تواصل المدد الوجودي وتواتر توارده من باطن جمعيّتي ومعناها إلى ظاهرها وصورتها ، فإنه لو انقطع هذا المدد المبقي والمرجح لوجودهما لحظة واحدة لانعدمتا بحكم عدميّتهما وإمكانهما وخلوّهما عمّا يرجح طرف اقتضاء كونهما على اقتضاء عدميّتهما .
وهذا المدد المبقي المرجح هو أمر وحداني لتعيّنه من عين الوحدة يقتضي أن يكون قابله أمرا وجدانيّا كان مقتضى الحكمة الإلهية أن يقبل ذلك المدد الوجداني هذه الصورة العنصرية الإنسانية الكمالية الجمعية الاعتدالية بكمال وحدة جمعيته وعدالته وكلّيته وتفصله في جميع أجزاء العالم أعلاه وأسفله بما فيه من تفصيل القوى والأجزاء ، ثم يعود ذلك المدد في الآن الثاني بعد تحقّقه بكماله المطلوب من تنزّله عن تفصيله إلى إجماله الذي هو ظاهر صور هذا الإنسان الكامل ومنه إلى باطنه ، وهكذا يكون الأمر على الدوام بحكم الخلق الجديد المذكور في قوله تعالى :
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
[ ق : الآية 15 ] .
وهذا المدد من أثر نفس رحمني وجودي منبعث من باطن هذه الحضرة الأحدية الجمعية متنزّل إلى ظاهرها مرتبة فمرتبة ، إلى أن ينتهي إلى هذه الصورة الإجمالية الكمالية ، وهو المراد بقوله : وأوجدتني روحي ، أي نفسي الرحمني ، ومنه ينقسم على جميع أجزاء صورتها التفصيلية المسمّاة بالعالم في ضمن تنفّسه ، فيعطر روح هذا المدد ، أعني أثر النفس الرحمني الظاهر في ضمن تنفّس هذا الإنسان الكامل وطيبة أنفاس كل عبير مفتّت وأمثاله من أنواع الطيّبات والمطيّبات ، ثم يرجع هذا المدد الوجداني والنفس الرحمني إلى أصله ، فيجده هذا الكامل ويتروّح به ، ثم يعود إلى باطنه ، وهي هذه الحضرة الجمعية .
هامش
( 1 ) أورده الجزري في النهاية في غريب الأثر ، كلمة ( عبر ) [ 3 / 171 ] .