نظرا إلى أصل الوجود الذي هذه الأسماء صور تعيّناته ، وربما لا يصحّ من جهة أن الاسم غير المسمّى لتقيّده بحكم وأثر ووصف معيّن مخصوص .
كذاك بفعلي عارفي بي جاهل ، وعارفه بي عارف بالحقيقة
يعني : لمّا كان الفعل ظهور تجلّ وجودي بوصف التأثير والتصرّف في مرآة القابل إذا عرفني عارف بهذا الوصف والقيد المعيّن المخصوص كان بحقيقة ذاتي المطلقة عن التقيّد بشيء من القيود والأوصاف الجامعة لجميعها من تأثير وتصرّف وغير ذلك جاهلا ، حيث إذا ظهرت ذاتي له بغير وصف التأثير والتصرّف أو غيره من الأوصاف ، أو تظهر له مجرّدة عن جميع الأوصاف ، وتقول له : أنا ربك لم يعرفني ويتعوّذ ، ويقول : أعوذ باللّه منك ، كما يقول بعضهم في النشأة الآخرة « 1 » .
وأمّا إذا عرفت ذاتي أولا بجمعيّتها جميع الأوصاف وبإطلاقها عن الجميع ، ثم ينظر من ذاتي إلى فعلي وغيره من أوصافي كان عارفا بحقيقة الأمر وبسراية أثر ذاتي في كل وصف بحسب قابليته ، بحيث إني كلّما ظهرت وحيثما بدوت من النشآت والمراتب والمواطن الدنيوية والأخروية والحشرية والجنانية والكثيبية والجهنمية ، وفي أي صورة برزت مطلقا أو مقيّدا ، لم ينكرني ولم يكن قاصرا عن شهودي ، ويكون آمنا من النكرة التي استعاذ منها الأكابر في قولهم : نعوذ باللّه من التنكّر بعد التعرّف ، ومن الحجاب بعد التجلّي ، فإن إدراك الفروع كما هي بعد إدراك الأصل متيسّر لكن إدراك الأصل بشيء من الفروع كما هو متعسّر ومتعذّر قلما يحصل ، سيّما إذا كان الأصل محتجبا بفروعه .
هامش
( 1 ) يشير إلى الحديث الطويل الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما ونص رواية مسلم هي : عن عطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبره أن ناسا قالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا رسول اللّه هل نرى ربّنا يوم القيامة ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « هل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر » ؟ قالوا : لا يا رسول اللّه ، قال : « هل تضارّون في الشمس ليس دونها سحاب » ؟
قالوا : لا يا رسول اللّه ، قال : « فإنكم ترونه كذلك يجمع اللّه الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ، ويتبع من كان يعبد القمر القمر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم اللّه تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ باللّه منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربّنا فإذا جاء ربّنا عرفناه فيأتيهم اللّه تعالى في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربّنا فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيز ولا يتكلم » صحيح مسلم ، باب معرفة طريق الرؤية ، حديث رقم ( 182 ) [ 1 / 163 ] .