تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
وأهفو لأنفاسي لعلّي واجدي بها مستجيزا أنّها بي مرّت أهفو من قولهم : هفى القلب في أثر الشيء ، إذا مال والتفت . يقول : وأميل وألتفت إلى أنفاسي ميلا شديدا لعلّي واجد حقيقة ذاتي بتلك الأنفاس حال كوني مجوزا بحكم قضية أجد نفس الرحمن أن تلك الأنفاس مرّت بتلك الحضرة ، فإن موردها لمّا كان ظاهر القلب وباطنه وسرّه والقلب بحكم مناسبة الوحدة والعدالة بموجب أخبار « ووسعني قلب عبدي » كان محل التجلّي الجمعي عسى أن يكون أثر من حقيقة جمعيّتي مصحوب أنفاسي ، وأنا أجد من ذاتي شيئا بواسطة ذلك الأثر . فهذه الأحوال من آثار جلال جمال هذه الحضرة الأحدية الجمعية المتضمّنة أثرا من أحكام غيب الغيب كانت متواردة عليّ محيّرة لي موجبة لغفلتي عن حقيقة ذاتي إلى أن بدا بارق أثر من آثار الكمال الجامع بين حقيقة الجلال المذكور وحقيقة الجمال ، وبانت به أنوار انفجار صبح التجلّي الأحدي الجمعي ، وبانت - أي تفرّقت - ظلمة غفلتي وحيرتي حينئذ وصلت هنالك إلى حضرة امتنع العقل - أي الإدراك والفهم - دون ذلك ، وكان اتّصالي بما كان منتهى همّتي وغاية أمنيتي متعلقة به ، ووصلتي إلى ما كان فوق ذلك بمحض عناية ذاتي واستعداد حقيقتي .
إلى أن بدا منّي ، لعيني ، بارق ، وبان سنا فجري ، وبانت دجنّتي هناك ، إلى ما أحجم العقل دونه وصلت وبي منّي اتّصالي ووصلتي قوله : بارق ، يعني : تجلّي لامع ، وبان : ظهر ، والسناء : الضوء الساطع ، وبانت من البينونة ، أي : تفرّقت ، والدجنة : الظلمة ، وأحجم : امتنع ، والعقل ههنا مصدر عقلت الشيء أعقله عقلا إذا فهمته وأدركته أو ضبطته لا بمعنى اسم العقل المشهور المتعارف في الأذهان المضاف إلى سائر السائرين غير صاحب مقام أو أدنى ، ودونه معناه : وعنده ، ومعنى البيتين قد ذكر .
فأسفرت بشرا ، إذا بلغت إليّ عن يقين ، يقيني شدّ رحل لسفرتي أسفرت بشرا : أشرق وأضاء وجهي حسنا وبهجة وسرورا وطلاقة ، يقيني : يحفظني ، شدّ رحل مفعول ثان ليقيني ؛ كقوله تعالى :
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً
[ التّحريم : الآية 6 ] ، وبشرا منصوب على التمييز .