تعالى :
وَهُوَ مَعَكُمْ
[ الحديد : الآية 4 ] تسمّى حق اليقين ، فاليقين أمر واحد ، وبإضافته إلى أهل مراتب متنوّعة يضاف إليه ما يختصّ بأهل كل مرتبة من علم حجابي مخصوص ، ومن عين ومن حق وأرباب الكمال يجمعون جميع ذلك ، لكن مع تميّز ومغايرة بين كل واحد منها .
وأمّا صاحب مقام الأكملية يرتحل منها إلى حقيقة شاملة جميعها هي منشأ الكلّ ومرجعها ، ولا مغايرة بينها فيها ، وبالنظر منها وهي حقيقة الحقائق المعني في البيت بقوله : إلى حيث الحقيقة رحلتي ، ولكن تردّد صاحب مقام الأكمليّة وسفره من واحد إلى واحد من هذه المقامات إلى أن ينتهي إلى حقيقته إنما يكون في ابتداء سيره في المقام الأكملي المذكور عند بدوّ أول تجلّ من تجلّيات هذه الحضرة الأكملية الأحدية الجمعية منصبغ بحكم جلال غيب الغيب محيّر له مغفل إيّاه عن حقيقته بحيث يظنّ أن حقيقته غير هذه الحقيقة ، فيتردّد لطلب حقيقته بسبب طرءان الغفلة عليه .
وأمّا في وسطه وانتهائه لا رحلة له أصلا ؛ لانصباغ كل جزء وصفة وذرّة منه من الظاهر والباطن بصبغة الكل ، فيشاهد الكل في الكل تارة ، وفي كل جزء وذرة أخرى ، ويعاين الباطن في الظاهر ، والظاهر في الباطن ، فلا يحتاج إلى رحلة من حقيقته في انتهاء أمره أصلا .
وأنشدني عني ، لأرشدني ، على لساني ، إلى مسترشدي عند نشدتي
أنشدني : اطلبني من جهة كون حقيقتي ضالّتي من قولهم : نشدت الضالّة نشدة ونشدانا ، أي طلبتها ، وقوله : لأرشدني أي لأهدي ذاتي الظاهرة بوصف الهداية ، وأصل الرشد والرشدة هو خلاف الغيّ ، ويستعمل في معنى الهداية وهو المراد هنا ، وقوله : على لساني متعلق بنشدتي ، والمصدر فيه مضاف إلى المفعول أو إلى الفاعل ، والمفعول محذوف ، واللام في لأرشدني للتعليل متعلقة بأنشدني عني .
يقول : وحيث غلبت عليّ الغفلة عن ذاتي والحيرة في تعيين مظنّة كونها بسبب جلال جمال الحضرة المحبوبية المنصبغ بحكم من أحكام غيب الغيب مع كون ذاتي وحقيقتي هي كل الكل ، وأصل كل جزء وكل وفرق وجمع حتى صارت ذاتي هذه بحكم غلبة الغفلة المذكورة ضالّتي ، فكنت أطلب ضالّتي هذه التي هي