الهواء ، ثم نام وتغطّى بثوبه الفاخر فوق ثوبه الآخر ، فطمع الطحان في ملبوسه الفاخر ، فأخذه وغطّاه بفروة أنحس من فروة الفلاح وأنحس ، ثم نبّهه قبل السحر ، فقام في ظلمة الليل لابسا فروة الطحان غافلا عمّا عليه من الملبوس ، ومضى حتى أصبح ونظر فإذا عليه فروة مقطّعة ، فقال : لعن اللّه الطحان ما أجهله ، قلت له : نبّهني فغلط ونبّه الفلاح وخلّاني نائما في الطاحون ، ثم رجع وعاتب الطحان بكونه نبّه الفلاح مكانه ، فقال له الطحان : نبّهتك قبله وخرجت ومشيت على أثر الفلاح صوب البلد ، فقال : لا حول ولا قوّة إلّا باللّه ، كان مقصدي الضيعة فغلطت ومشيت صوب البلد ، فأخذ طريق البلد طالبا نفسه .
وحكي عن آخر أنه كان جالسا على غصن شجرة قاطعا أصل ذلك الغصن ناسيا نفسه أنه عليه ، وآخر كان يرعى دوابا ستّة راكبا أحدها يعد ما عدى مركوبه خمسة طالبا مفتّشا عن السادس غافلا عن نفسه ومركوبه ، فحال غفلتي عن ذاتي وغلبة سلب الجلال فهم ذاتي على عقلي وتمييزي بعينه مثل حال هؤلاء المغفّلين المذكورين ، وهذا من مستملحات الوجد ، وهذه الأبيات إلى تمام العشرة تفصيل هذه المشابهة وتمهيدها .
أسائلها عنّي ، إذا ما لقيتها ، ومن حيث أهدت لي هداي أضلّت
كنت في حالة تلك الغفلة ، والغيبة عن حقيقة ذاتي بسبب غلبة هيبة جلال جمال تلك الحضرة عليّ أسائلها عني وعن حقيقة ذاتي حيث لقيتها عند تراجع أدنى فهم إليّ بحيث أعرفها ، فكانت تهدي إلى الهدى من حيث هدايتها إياي إلي كانت تضلّني من جهتين أحديهما من جهة أن ما في الوجود في الحقيقة شيء غيري ؛ لأن الظاهر والباطن وما احتويا عليه من تعيّنات النور وتنوّعات الظهور ليست إلّا تفصيل ذاتي ، فإذا أهدتني إلى شيء معيّن وجهة مخصوصة أضلتني عن بعض صور تفاصيلي ؛ فكانت هدايتها متضمّنة إضلالها من هذا الوجه ، والجهة الثانية أن مفهوم الهداية ومنبىء عن مغايرة بين الهادي والمهدي والهداية والسالك والسبيل ، وليس في الحقيقة هاد ولا مهتد ولا هداية ولا سبيل ولا سالك غيري بلا غيريّة ومغايرة ؛ فلا جرم كانت من حيث مفهوم الهداية ومعناها المنبىء عن المغايرة تضلّني عن ذاتي الذي ليس فيها غير ولا غيرة ولا مغايرة .