تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
التي أوجدتها وأخرجتها من العدم إلى الوجود ، وعلى قدرتها وقدمها ووجوبها وغناها وعزّها الذاتية كلّها لها ، وهذا من باب المعرفة بطريق علم اليقين ، ومرة أثر تلك الحيرة والغفلة تقيمني في مقام الكشف في عالم الجبروت وتردّني مسافرا من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين حتى أشاهد نفسي فيها مرآة ومظهرا لأسماء تلك الحضرة وصفاتها ، وأشاهد ظهور سمعها وبصرها وكلامها وقدرتها في مرآة نفسي وحقيقتي ، وطورا أثر تلك الحيرة المذكورة يردني مسافرا من مقام عين اليقين إلى مقام حق اليقين في مرتبة الجمع حتى أعاين عيني وحقيقة ذاتي عين تلك الحضرة بلا مغايرة وغيرية ، وحيث كان ظهور ذاتي لي متنوّعا بحسب الأحوال والمقامات الثلاث المذكورة كنت متردّدا في أن ذاتي وحقيقتي ما هي دليل أم مرآة أم عين ؟ وهذا التردّد لي إنما كان بسبب ترديد أثر هذه الحيرة الحاصلة من جلال الجمال المنصبغ بالحكم الغيبي الذي له الإحاطة بجميع هذه المقامات إياي في أطوار الكشف والحجاب ومقاماتهما المذكورة ، وحمله إياي على السفر فيها والتردّد من واحد منها إلى واحد إلى أن أصل إلى حقيقتي التي هي عين أحدية الجمع المذكور ، والحمد للّه على ذلك .
أسافر عن علم اليقين ، لعينه ، إلى حقّه ، حيث الحقيقة رحلتي قوله : لعينه ، أي : عين اليقين ، ثم إلى حقّ اليقين ، وقوله : حيث الحقيقة رحلتي ، أي : إلى حيث الحقيقة كانت رحلتي وليس وراءها مرحلة يمكن الرحلة إليها ، فالألف واللام إما قاما مقام الإضافة ، وإمّا للعهد المذكور في الأبيات المتقدمة من حيث المعنى . واعلم أن اليقين هو سكون الفهم واطمئنانه واستقراره بزوال التردّد من قولهم : يقن الماء في الحوض إذا استقرّ ، وسئل الإمام سهل رضي اللّه عنه فقال : اليقين هو اللّه ، يعني لا استقرار في الحقيقة إلّا إليه ، وهذا السكون والاستقرار إذا أضيف إلى النفس والعقل المضاف إليها بناء على حجّة ودليل يدلّهما على تحقّق الأمر المطلوب لهما ينضاف إليه العلم المنبىء عن الإبانة والظهور ، فيقال : علم اليقين ، وإذا أضيف إلى الروح الروحانية بطريق زوال الحجب الحائلة بينها وبين ذلك الأمر المطلوب وكشف حقيقته أو كيفيّته ، فتعاينه وتشاهد عينه كما هو في معدنه يقال لذلك السكون والاطمئنان إلى السرّ المضاف إليه المعيّة المعيّنة بقوله