فأصبحت فيها والها لاهيا بها ، ومن ولّهت شغلا بها ، عنه ألهت
الواله : من لا عقل له ، واللّاهي ههنا من قولهم : لهيت عن فلان إذا أشغلت عنه ، وولهته أي : أزالت عقله ، وألّهته : شغلته ، والضمير في فيها ، وفي بها عائد إلى حضرة المحبوب ، وفي عنه إلى من ، وحرف الباء في بها الأولى متعلقة بوالها لا بقوله : لاهيا ، وفي بها الثانية متعلّقة بشغلا ، وهو منصوب على المفعول له ، ومن ههنا للشرط ، ومفعولا ولّهت وألهت محذوفان ، والفاعل فيهما ضمير حضرة المحبوب .
يقول : ولما ذهب إحساسي بنفسي وغبت عن ذاتي ، وعن طلبها في مظنّتها وفي مرتبة متّهمة بكوني فيها بسبب غلبة جلال جمال حضرة المحبوب أصبحت حينئذ والها مستغرقا عقله وفهمه وحسّه في بحر جلال جمال تلك الحضرة ، وحكم غيب إطلاقه ومشغولا عني وعن إدراك ذاتي وفهمها ، ومظنّة كونها وعن طلبها في مظنّتها ، وفي تهمة مظنّتها ومن كانت حضرة المحبوب بتجلّي جلال جمالها المتضمّن حكمه غيب كنهها وإطلاق ذاتها ذهب بعقله وولهته ألهته عن نفسه وشغلته عن إدراك ذاته لأجل شغله بتلك الحضرة واستغراقه في لجّة جلال جمالها .
وعن شغلي عنّي شغلت ، فلو بها قضيت ردّى ما كنت أدري بنقلتي
قضيت : متّ ردى ، أي هلاكا من باب قعدت جلوسا ، أي بسبب حضرة المحبوب وسطوة قهر جلال جمالها .
يقول : وقد استغرقت في بحر هيبة جلال جمال تلك الحضرة واشتغلت بأشغالي بها عن إدراك ذاتي وفهمها ، وعن الحضور مع أثر من أنانيّتي وعينها ، ثم شغلت عن شغلي عني بحيث لم أدر أني مشغول عني وغبت عن أنيّتي الحقيقية والمجازية حتى لا أشعر بأن لي أنية ، فلو متّ موتا هو هلاك ونقل طبيعي من النشأة الدنيوية إلى البرزخية لا موت معنوي يمكن الرجوع إلى الدنيا ، ثم لم أدر ولم أحسّ بنقلتي من الحياة إلى الممات ، ومن النشأة الدنيوية إلى الأخرويّة أصلا ورأسا .
قلت : لما ذكر أن حكم جلال الجمال فاجأه مرة واحدة وغلب عليه وسلّط عليه الحيرة والدّهشة حتى غيّبه عن مقامه ، ثم عن فهم ما جلّ به ثم أغفله عن نفسه بحيث أظن عينه غيره وعن مظنّة كونه ثمة ثم غيّبه عن الشعور بنفسه وشغله