تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
أعجب ما شاهدت في تلك الحضرة أني أجد من العين روحا وراحة وأمنا في حال ما أجد من الأثر قبضا وخشية . واعلم أنه يشير بهذا البيت إلى جمع صاحب مقام أو أدنى صلى اللّه عليه وسلم بين أحكام النبوّة والرسالة ، وهي آثار الحجابيّة وبين حكم الولاية ، وهو الكشف والشهود ، وبين حكم الجمال وحكم الجلال معا في حالة واحدة ، فإنه كان صلى اللّه عليه وسلم ينكشف له في حال أداء جبرائيل الوحي بطريق اللّا واسطة ، فيسمع بلا واسطة عين ما يوحي إليه به جبرائيل عليه السلام ، فيجد بشهود عين الموحي روحا وبسطا وأمنا وراحة ، ومن حيث صورته وطبيعته يعالج من أثر الموحي الذي هو جبرائيل في أدائه الوحي كربا وشدّة لمباينة واقعة وثابتة بين الروحانية والطبيعة ، لبساطة تيك ولطافتها ، وتركيب هذه وكثافتها ، فيحمله طلب الخلاص عن حكم الواسطة ، وعن ذلك الكرب والشدّة على الاستعجال وإظهار المعنى واللّفظ الموحي به الذي سمعه بلا واسطة قبل فراغ جبرائيل من أداء الوحي والمبادرة إلى تلاوته ، فأدّبه ربه وأمره بتحقيق الوقار والثبات والصبر ، وقال :
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ
[ طه : الآية 114 ] ، يعني بإظهاره وتلاوته مع علمك به بطريق اللّاواسطة
مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ
[ طه : الآية 114 ] بواسطة جبرائيل ، فإن مرتبة رسالتك تقتضي أخذك بواسطته ، ليتمّ ظهور كمال جمعية القرآن بمروره في النزول على الصورتين التفصيلية والإجمالية
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[ طه : الآية 114 ] بحقيقة القرآن وأسراره المكنونة في غيب الغيب ومعانيه الغير المتناهية ، وكان الكرب والشدّة من حكم الجان والإنس والراحة من حكم الجمال والموجب الآخر للروعة والفزعة عند الوحي إنما كان تذكر خطاب
وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
[ الأحقاف : الآية 9 ] المشير إلى الغنى المطلق عن العالمين في عين ذكر ما فعل بالأمم السالفة من الإهلاك والفضائح النازلة بهم ، كما أشار إلى ذلك بقوله : « شيّبتني سورة هود وأخواتها » « 1 » ، وذلك الخطاب - أعني خطاب
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
[ الأحقاف : الآية 9 ] كان من أحكام جلال كنه الغيب - المتجدّد ظهورها مع الآنات ، فإن ما عداه مما كان مسطورا في الكتاب المبين كان معلوما له
هامش
( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ، تفسير سورة هود ، حديث رقم ( 3314 ) [ 2 / 374 ] ؛ والترمذي في سننه ، باب ومن سورة الواقعة ، حديث رقم ( 3297 ) [ 5 / 402 ] ؛ ورواه غيرهما .