فتنعكس صورة نفسه العنصرية الطينية الأرضية المنصبغة بذلك التصوّر والاعتقاد في ظاهر الوجود الواحد الحقّ ، فلم ير في الجنّة الموصوفة بصفة الأبديّة إلّا سجينه - أعني صورته الأرضية - المنصبغة بصبغة الاعتقاد المذكور في مرآة الوجود الظاهر المنطبع فيها من حيث اسم معين كانت تربيته مختصّة به من جهة انتشاء تعيّن وجوده منه .
وأمّا من كان غير مقيد بعالم الحسّ وبعالم الخلقية أيضا ، وترقّى فهمه وإدراكه عن جميع عوالم التركيبات المعنوية والروحانية والمثالية والحسّية رأى ربّه في كل نشأة وعالم بحسب ذلك العالم غير مقيّد بالصورة وعدم الصورة ، وبالمظهر وعدم المظهر مطلقا ومقيّدا وغير مقيّد ولا منحصر في الإطلاق والتقيّد ، بل جامعا بينهما غير منحصر في هذه الجمعية أيضا ، بل يعلم في عين رؤيته إيّاه تعالى وتقدّس أنّه لم يدرك إلّا قطرة من بحره ، وأن ما وراء إدراكه بحار يحار فيها علوم الأوّلين والآخرين من الأكابر وأولي العزم من المرسلين .
فبي دارت الأفلاك ، فاعجب لقطبها ال محيط بها ، والقطب مركز نقطة
الواو في : والقطب للحال من الضمير المستكنّ في قوله : فاعجب ، والعجب والتعجّب حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء ، وقيل : العجب ما لا يدرك سببه ، وإضافة المركز إلى النقطة إضافة الجنس إلى نوعه كخاتم فضّة ، واللام في لقطبها بمعنى : لأجل ، والضميران في قطبها وبها يعودان إلى الأفلاك ، والفاء في أوّل البيت للسببية داخلة في المسبّب متعلّقة بقوله : ولا وقت إلّا حيث لا وقت حاسب وجود وجودي .
يعني : لما ثبت عدم تقيّدي بحكم كثرة الزمان وعدم محكوميّتي لأحكامها ، وكونها محكومة في تحقّقي بحقيقة وحدة الجمعية الوجودية والعلمية وظاهر الهوية وباطنها التي تعلق بها انتشاء جميع الحقائق الكونية وجميع التعينات الوجودية الإلهيّة منها والكونية ظهورا أو إيجادا أو إبقاء وإمدادا كان يعين الأفلاك المعنويّة نحو الحقائق والأسماء الكلّية ووجود الأفلاك الصورية من العرش إلى الفرش وأدوارها وثباتها وبقاؤها وأحكامها وآثارها حاصلة مني ثابتة بي ، ومن حيث تحقّقي بحقيقة وحدة الجمعية المذكورة كنت أنا قطبها ، وهو معنى فبي دارت الأفلاك ، ولمّا كان حال كل قطب من الأقطاب الصورية أن يكون مركز نقطة الدائرة المحيطة